|
الاشتباك السياسي
.. مقدمة لتغيير أكبر ..!!
5
من
نوفمبر 2009م
* كم هي عميقة حالة "الحراك السياسي". وكم هي حيوية حالة الجدل
التي أطلقها مؤتمر الحزب الوطني في الشارع المصري. وعلي جميع
المستويات.. فما من قضية تمثل أولوية للناس إلا وتناولها. وما
من مشكلة إلا ووضع لها حلولاً.. ومن ثم يمكن اعتبار محاوره
وأوراق سياساته "خريطة طريق" أو "وثيقة ضمان للمستقبل" تعبر عن
شواغل مصر. وتتصدي لهموم المواطن والأسرة والمجتمع. وتراعي
المصالح العليا للبلاد.. وقد استطاع الحزب أن يترجم شعار
مؤتمره "من أجلك أنت" إلي واقع يجد فيه المواطن غايته. والتزام
جديد يجري تنفيذ بنوده وفق إطار زمني محدد يحق للمجتمع ووسائل
الإعلام كافة أن تراقب تنفيذه. ومدي الوفاء به.. ورغم كثرة
الإنجازات التي تحققت.. فإن القيادات الحزبية لم تخف أن هناك
مشاكل عديدة لم تُحلّ بعد. وأن ملف الإصلاحات مازال مفتوحاً
ومطلوباً ومأمولاً.. وإلا ما طُرحت مثل تلك القضايا والأوراق
في جلسات المؤتمر!!
* آثر الحزب الوطني أن يلتفت إلي ما ينفع الناس. وإلي ما يشغل
أذهان القاعدة الأكبر منهم. وأعرض عما يثيره البعض من جدل
وسجال حول مرشح الرئاسة.. وكم كنت أتمني لو تستثمر الأحزاب
والقوي السياسية الأخري فرصة المؤتمر لتطرح هي الأخري رؤيتها
وبرامجها للحاضر والمستقبل.. وتقترب من الشارع أكثر. تقارع "الوطني"
حجة بحجة. وتسابقه خطوة بخطوة.. ولكنها للأسف لم تفعل ذلك لا
في مؤتمراتها ولا في غير مؤتمراتها!!
* تمنيت لو تقود تلك الأحزاب أو "النخب السياسية" الجماهير
لمضاعفة الإنتاج. أو تشجعها علي المشاركة الفعالة في شئون
الوطن وقضاياه الحقيقية. بدلاً من الإثارة التي تخلق الفرقة
بين أبناء الشعب الواحد في وقت تشتد حاجتنا جميعاً إلي الوحدة
خلف أهداف قومية كبري.
* توقعت أن تسمّي تلك الأحزاب مرشحيها هي للرئاسة قبل أن تطالب
الحزب الوطني بذلك. لا أن تطرح شخصيات مستقلة لم يدر بخلدها
التفكير في ذلك الأمر من الأساس. وبدلاً من أن تجهز نفسها
للانتخابات البرلمانية الوشيكة - مثلما يفعل "الوطني". وكما
أعلن في مؤتمره - راحت تارةً تردد نغمتها المعتادة عن "التوريث".
وتهدد بمقاطعة الانتخابات والانسحاب منها تارة ثانية. وتارة
أخري تدعو إلي "مراقبة دولية" للانتخابات.. دون أن تكلف نفسها
عناء النزول إلي الشارع لتعرف مقدار وجودها الحقيقي فيه. ومدي
شعبيتها أو القبول بها!!
* تمنيت لو تحذو "المعارضة" حذو "الوطني" فتجري - كما أجري -
انتخابات حرة بين قواعدها الحزبية. وتجدد - كما جدد - دماءها
وتدفع بشبابها نحو مراكز القيادة. وترسخ - كما رسخ - مبدأ
تداول السلطة. وتكافؤ الفرص. والقبول بالتطور والتغيير. وتشتبك
- كما اشتبك - مع تحديات الواقع.. تقدم حلولاً خلاقة لما يجابه
الوطن من مشكلات وعقبات!!
* لكن المعارضة - كعادتها - لم تفعل. واكتفت بالصراخ والتشويش.
ونسيت أن رجل الشارع هو الطرف الأهم في المعادلة السياسية. فمن
أجله تأتي الحكومات وتذهب. ولأجله تنهض الأحزاب وتذوي» لأنه
ببساطة هو مصدر السلطات كافة.
* وفي سياق كهذا كان طبيعياً أن تفقد الأحزاب المعارضة بوصلتها
نحو عقول الجماهير وقلوبهم.وأن تحجب نفسها عن التأثير الإيجابي
في مجتمعها» وكان منطقيا أيضا أن تجهل تلك الجماهير أسماء
الأحزاب أو حتي عددها. ناهيك عن توجهاتها وبرامجها ومبادئها
وغاياتها. وكان مأمولاً أن تكون مقصداً. وقبلة يؤمها شبابنا.
تؤهلهم للممارسة السياسية. وتحميهم من الأفكار المضللة. لكنها
- للأسف - لم تفعل. فأسقطها الناس من ذاكرتهم وحساباتهم. فعادت
أدراجها تتهم الحزب وحكومته بالتضييق عليها. ونسيت أن غيابها
عن الشارع. وعدم التحامها بالناس هو المسئول الأول عن ضعفها.
وذبولها. وليس كما تدعي.
* تمخض المؤتمر السنوي السادس للوطني عن نتائج مهمة عديدة. فقد
أحدث حالة من " الاشتباك السياسي " مع أحزاب المعارضة. اشتباك
يُعدّ مقدمة لتغيير أكبر في مجالات عديدة. وهو ما نلمحه في
كلمات قياداته في جلسات المؤتمر» إذ أعلن جمال مبارك الأمين
العام المساعد وأمين السياسات أن الحزب لا يحتكر الحياة
السياسية. بل يدعو المعارضة إلي الحوار والدخول في تفاصيل
وجوهر المشروعات التي يطرحها الحزب لحل مشكلات المواطنين..
لكنه في المقابل سيرد علي مزاعمها. وعلي أصحاب الشعارات. وهو
ما أكده صفوت الشريف حين قال: "إن الحزب ملتزم بتوطيد الدعائم
الأساسية لدولة مدنية. تتأسس علي قيم المواطنة في ظل تعددية
حزبية حقيقية..".. لكنه رفض - في المقابل - كل محاولات
الالتفاف حول الشرعية الدستورية. والالتفات إلي الحوارات
الجدلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
* وفي لقاء جمع جمال مبارك وعدداً من الصحفيين. قلت: قد نفهم
نحن -كنخبة أو رجال أعمال - أهمية ما يطرحه الحزب من قضايا
وأفكار وآراء.. لكن المواطن البسيط لن يفهمها إلا إذا لامست
واقعه وغيَّرت من مسار حياته» فمثلاً عندما يتحدث وزير الإسكان
عما أنجزته وزارته في برنامج الرئيس. ثم يذهب المواطن ليحصل
علي شقة أو خدمة أو ترخيص بناء فإنه يجد شيئا مختلفا. ويصطدم
بروتين صغار الموظفين.. فكيف يتغير هذا الوضع ليشعر المواطن
بتقدم ملموس في حياته؟!
ثم تساءلت أيضا: لماذا لا يطرح الحزب قضية رئيسية في كل مؤتمر
سنوي. ولتكن قضية (إصلاح التعليم) أو (النهوض بالصحة)
باعتبارهما جناحي التنمية - كما يقول الرئيس مبارك - ثم يبحث
الحزب عن موارد غير تقليدية لتنفيذ خطة زمنية محددة لإصلاحهما.
فإصلاح التعليم يحظي بإجماع جميع قوي المجتمع. ولا يحتمل
التأجيل. فإحراز تقدم حقيقي في مصر مرهون به. ولن تحل مشكلات
المجتمع إلا من خلاله. وهو ما تنبه إليه الرئيس الأمريكي
أوباما حين تبني خطة جديدة لتطوير التعليم تضمن لأمريكا الحفاظ
علي تفوقها العلمي. والخروج من أزماتها المالية والاقتصادية
التي تعانيها.. ولا يعني الاهتمام بقضية رئيسية كهذه. إغفال
مشاكلنا الأخري. بل لابد من ترتيب الأولويات حسب أهميتها ودرجة
خطورتها وارتباطها بجموع الناس.. لكن يظل التعليم هو الأهم في
سلم أولوياتنا.
* للمؤتمر رسائل عديدة لعل أهمها ما ورد في الخطاب الجامع الذي
ألقاه الرئيس مبارك وجاء معبراً عن آمال المواطنين. ووضع
النقاط فوق الحروف. وضخ دماءً جديدة في شرايين الحياة السياسية
في مصر. واستشعر نبض الناس. وحمل تطمينات وتعهدات رئاسية
للمصريين جميعاً.. وإن ظلت آمال الحزب وطموحاته فوق إمكانيات
الحكومة ومواردها..
* بعث الخطاب برسائل كثيرة في كل اتجاه. فهو بمثابة وعد من
القائد لشعبه» فحين يؤكد الرئيس أن الدستور هو الضمان الذي
يعلو فوق الجميع.. والمؤسسات باقية والأشخاص زائلون.. أليس ذلك
تطميناً علي مستقبل مصر. وأنها دولة مؤسسات وليست أشخاص.. وهو
ما يحسم - في رأيي - قضية كثر حولها الجدل. فالترشيح للرئاسة»
آلياته وكيفيته وميقاته. محكوم بالدستور واللوائح.
* وحين قال الرئيس: "سوف نخوض في العام المقبل انتخابات حرة
ونزيهة وتنافسية. ونحن في الحزب الوطني نؤمن بالتعددية. ونسعي
لتفعيل حياتنا الحزبية والسياسية. كما أننا نؤمن أننا وباقي
الأحزاب في قارب واحد»لأننا جميعا مصريون. نسعي لذات الهدف.
وإن تعددت رؤانا للطريق إليه. نرحب بالمنافسة والمعارضة
الموضوعية..".. ألا يبعث ذلك برسالة تطمين لأحزاب المعارضة.
تحثها علي المشاركة الجادة والفعّالة. والكف عن المشاحنات
والخلافات بين أعضائها. والالتفات إلي مصلحة هذا الوطن.. وأليس
ذلك وعداً من رأس الدولة وتعهداً رئاسياً بنزاهة الانتخابات..
فهل استعدت تلك الأحزاب لخوضها.. وقبل ذلك. هل استعد لها الحزب
الوطني بتقديم رؤي وأفكار ومبادرات وحلول ناجعة للمشكلات؟!
* وحين يقول الرئيس مبارك: (إننا سنخوض الانتخابات بشباب الحزب
ورؤيته وفكره الجديد..) ألا يعني ذلك تشجيعه للكوادر الشابة
ودفعها نحو صفوف القيادة.. وأليس ذلك رداً حاسماً علي من
يزعمون أن هناك انقساماً في الحزب بين تيار قديم وآخر جديد..؟!
* وحين يقول الرئيس مبارك : (لن أسمح بأي تهاون أو تقصير يعرض
سلامة المواطنين للخطر..) أليس ذلك رسالة تحذير للحكومة. بأنه
لن يسمح بأي تقصير بل سيقابل بكل حزم.. وسينال المخطئ - أيا ما
كان - عقابه وجزاءه؟!
* وحين قال الرئيس: (إن الفلاح في قلب أولويات الحزب وحكومته.
وإن البرنامج الثالث للإنعاش سوف يوجه للريف ).. أليس ذلك
انحيازاً للفلاح. وإيمانا بحقه في حياة كريمة؟!
* وحين يتعهد الرئيس بزيادة معاش الضمان 25% في بداية العام
المقبل .. وتطوير العشوائيات ومحاصرة الفقر.. أليس ذلك معايشة
للواقع وانحيازاً لمحدودي الدخل والفقراء.. رداً علي من يتهم
الحزب وحكومته بالانحياز لرجال الأعمال..؟!
* وحين يخاطب الرئيس العمال ورجال الأعمال بقوله: (أنتم في
قارب واحد تجمعكم المسئولية والمصلحة والالتزامات..).. أليس
ذلك دليلاً علي أن الناس أمام الرئيس سواء.. لا فضل لأحدهم علي
الآخر إلا بالعمل والإنجاز والولاء للوطن.. ؟!
* وحين يقرُّ الرئيس بأن الطبقة الوسطي هي النواة الصلبة
لمجتمعنا. ويتعهد بتطوير ما يقدم لها من خدمات.. ألا ينم ذلك
عن فهم عميق لما تضطلع به تلك الطبقة من دورمهم باعتبارها (حارسة)
للقيم. ومفجرة الطاقات والإبداع. وقاطرة للمجتمع نحو الرقي
والتقدم؟!
* وحين يطالب الرئيس الحكومة بتنفيذ جميع توصيات المؤتمر لصالح
(الفلاح) و(العامل) و(الموظف). و وحين يهتم بالتشغيل
والاستثمار.. ألا يؤكد ذلك أن المؤتمر يركز علي الأفعال.. وليس
الأقوال والوعود؟!
* وفي النهاية تبقي ملاحظة مهمة. فرغم كثرة عدد أعضاء الحزب
الوطني "نحو 3 ملايين عضو" مقارنة بالأحزاب الأخري "23 حزباً"
والتي لا يتجاوز عدد أعضائها بضعة آلاف.. فإن هذه النسبة تعد
قليلة إذا ما قورنت بعدد السكان في مصر "80 مليوناً". وتلك
مشكلة سياسية حقيقية» تجسد عزوفاً واضحاً من الجماهير عن
الانضمام للأحزاب. يهدد العملية السياسية برمتها.. وهو ما يجب
أن ننتبه له.. وهذا موضوع آخر..!!
إضاءات
* تحولت المباراة المرتقبة بين مصر والجزائر إلي مباراة في (الردح)
و(التشاحن ) بين الجماهير في البلدين الشقيقين عبر الشاشات.
وصفحات الجرائد. ومواقع (النت).. حتي بات (الفيفا) منزعجاً مما
يحدث من تصعيد.. ألا يوجد (عاقل) هنا أو هناك يوقف هذه المهزلة؟!
وهل يُعقل أن (يضحي)الجزائريون بمصر. أو (يضحي) المصريون
بالجزائر.. ضاربين ب (الأخوة) و(النضال المشترك) عُرض الحائط
لأجل مباراة في كرة القدم؟!
يخامرني شك عميق أن هناك (أصابع خفية) تشعل - لأغراض في نفسها
- (الحرب الكلامية)بين الطرفين.. وتصب (الزيت) علي (النار)
لإبقائها مشتعلة.. وهو ما ندعو الله ألا يستمر..!!
* أمرمخجل.. ألا يجد القائمون علي مهرجان القاهرة السينمائي
الدولي (فيلماً مصرياً) يصلح للعرض في دورة مهرجان هذا العام.
رغم أن مصر هي ثاني بلد يعرف السينما في العالم بعد فرنسا..
ورغم أنها تنظم المهرجان علي أرضها وفي ضيافتها.. أليست تلك "فضيحة"
لكل السينمائيين؟!
* من ير حيوية ونشاط صفوت الشريف وزكريا عزمي أكبر قيادات
الحزب الوطني . وهما يتنقلان بين لجان المؤتمر وجلساته.
ويتابعان سير المناقشات.. فسيدرك أنهما قادران علي العطاء ربما
أكثر من بعض شباب الحزب..!!
الطريف أن تتحدث بعض وسائل الإعلام عن رابطة العنق التي
ارتداها (الشريف) أكثر مما تحدثت عن مضمون كلمته المهمة التي
ألقاها أمام المؤتمر..!!
* غيّب الموت عنا المفكر الكبير د. مصطفي محمود رائد العمل
الخيري. ومجدد الفكر الديني. وصاحب (العلم والإيمان) أهم
برنامج مزج بين قيم الدين. ومفاهيم العلم في بساطة متناهية.
جذبت إليه ملايين المشاهدين في كل مكان.. لكن المؤسف حقاً أن
تغيب الحكومة عن جنازته.. وليس مستساغاً أن يُبرر ذلك بانشغال
المسئولين بمؤتمر الحزب.. فالمشاركة الرمزية كانت تكفي..!!
* ( المصري اللي علي حق يقول للغلط لأ ).. هذا هو الشعار (الأثير)
الذي تصدر إعلانات وزارة النقل بالتليفزيون.. لكن يبدو أنه
ينطبق علي أداء أجهزة حكومية عديدة.. وهو ما يشعر به معظم
المصريين الذين ينبغي ألا يكفوا عن المطالبة بحقوقهم.. (فما
ضاع حق وراءه مطالب).. حتي لو استقالت الحكومة كلها. وليس
وزيراً واحداً!!
* ارتباك حركة القطارات الذي نراه الآن ومن قبل.. وربما من بعد..
يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن استبدال وزير بآخر. أو (مدير)
بغيره لن يحل المشكلة.. فلابد من تغيير نظام العمل. وأولوياته.
ومناهج التفكير.. أي إصلاح البشر قبل الحجر.. و.. إلا فسوف
يستمر مسلسل تغيير الأشخاص بلا نهاية.. ودون أدني تغيير في
الظروف أو المشكلات أو مسببات الحوادث!!
الغريب أن يطالب البعض بمحاكمة.. المهندس سليمان متولي" وزير
النقل الأسبق.. دون أن يعرف له قدره.. ومن يقل ذلك فإنه يجهل
ما أحاط بالرجل من ظروف صعبة. وما بذله من جهود جبارة لانتشال
(السكة الحديد) مما كانت فيه من تخلف وتردي.. ووضعها علي طريق
البناء و(التحديث) والتطوير.. ورغم الإمكانيات التي توافرت لمن
خلفوه في المنصب فإن أحداً منهم لم يفعل شيئاً يداني ما فعله (متولي)رغم
فارق الإمكانيات لصالحهم.. وهو ما كنت شاهداً عليه في جميع
فترات هؤلاء الوزراء!!
|