|
ولتكن البداية
بجوانتانامو
20
من
نوفمبر 2008م
* أسابيع قليلة
ويتبوأ أوباما الأسود مقعده الرئاسي في البيت الأبيض.. وتحديداً
في 20 يناير المقبل. ولا يعني ذلك أن صورة أمريكا الكريهة لدي
شعوب العالم سوف تتغير فور ممارسة أوباما مهام منصبه. فالواقع
أعقد بكثير مما نظن ومما يبدو علي السطح. فالقطب الأمريكي
تثقله متاعب كثيرة وتنتظره مهام جسيمة وبأمور واقعة بتفاعلات
عميقة.. ولن تتغير الصورة السائدة إلا بأفعال تترجم "الحلم" في
التغيير الذي روجه أوباما في حملته الانتخابية. أفعال تستلهم
روح الدستور الأمريكي الذي يكرس الحريات والمساواة ولا يميز
بين المواطنين علي أسس دينية أو عرقية.. وهو ما تجسد أخيراً
بانتخاب أوباما ذي الجذور الإفريقية. فهو ابن لرجل إفريقي أسود
من كينيا وامرأة ذات بشرة بيضاء.
* الشعب الأمريكي هو وحده صاحب قرار التغيير. وهو كذلك صاحب
الحق في محاسبة أوباما علي تنفيذ وعوده الانتخابية. ورغم أننا
كعرب كنا نتمني فوزه لكننا لسنا وحدنا من تمني ذلك. بل شاركتنا
شعوب العالم أجمع في محبة أوباما والانحياز له وكراهية بوش
ومرشحي حزبه من بعده جراء ما صنعه بنا وبالعالم أجمع وهو ما
يحمل أوباما بمشاق عظيمة.. والسؤال الذي ينبغي أن نمعن فيه
ملياً هو: هل ننتظر التغيير بيدي أوباما وحده ونحن علي هذا
الحال من الانقسام والتشرذم والتقوقع. متغافلين عن حقيقة مهمة
مفادها أنه "ماحك جلدك مثل ظفرك" وهو ما دعانا إليه القرآن
وأكده الله تعالي بقوله: "إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا
ما بأنفسهم".
لا ينبغي أن يتوقع العرب والمسلمون أن يأتيهم التغيير من
خارجهم فيما يتعلق بقضاياهم المصيرية. وألا يطلبوا المستحيل من
أوباما. فالرجل لديه مطالب ملحة تضغط عليه وفي صدارتها الملف
الاقتصادي وتحقيق "الرفاهية" لشعبه باعتباره المحدد بل المقياس
الأول للحكم علي مدي نجاحه في إنجاز ما وعد به وهو ما يؤشر
لبقائه لفترة رئاسية ثانية والذي علي أساسه انتخبه الشعب
الأمريكي.
لا شك أن أجندة أوباما مزدحمة بالملفات ومتخمة بالقضايا
الشائكة داخلياً وخارجياً. مثل الحرب في العراق وأفغانستان.
وعلاقته بالمنافسين الدوليين القائمين والمحتملين. وفي مقدمتهم
روسيا والصين وعلاقتهما بأمريكا في الفترة المقبلة.
يخطئ من يتصور أن القضايا العربية وعلي رأسها قضية فلسطين تشغل
حيزاً في ذهن الرئيس المنتخب بل هي ثانوية. ويزيد من هامشيتها
انقسام الفلسطينيين أنفسهم فيما بينهم وتنازع فتح وحماس علي
"كعكة" لم توضع علي المائدة. وسلطة لم تتوافر أركانها ودولة لم
تعرف حدودها بعد. فكيف نطالب الآخرين بحل قضيتنا الأولي ونحن
لم نغير ما بأنفسنا أولاً وكيف تتغير نظرة الآخر نحونا ونحن
مازلنا متنازعين متشبثين بمواقفنا الجامدة. غير عابئين
بالمتغيرات من حولنا ونغير الموازين لغير صالحنا.. أفلا نعود
لمشروعاتنا المشتركة ونتفق علي حد أدني من التوافق وخلق كيانات
سياسية واقتصادية تدعم مواقفنا وسياساتنا مثل السوق العربية
المشتركة التي تأخرت كثيراً وأن نكون "لوبي" عربياً ضاغطاً في
أمريكا يعادل تأثير اللوبي اليهودي أو يفوقه لصالح القضايا
العربية المصيرية والمزمنة ورأب الصدع الذي تعيشه الجاليات
العربية والمسلمة انعكاساً لتناحر دولهم. ألم يحن الوقت لنغير
من أنفسنا ونكون أمة واحدة بعد أن رأينا "الحلم" الأمريكي
يتحقق بانتخاب أوباما الأسود رئيساً لأمريكا؟!
** إذا كان الشعب الأمريكي قد أمسك بزمام التغيير وأعطي المثل
بانتخاب أوباما فإن علي رئيسه الجديد أن يترجم ما يتمناه هذا
الشعب في المجال الاقتصادي وقضايا الطاقة والتغيير المناخي
وقبل ذلك الإفراج عن الحريات التي حبسها بوش بإجراءاته
الاستثنائية بالتنصت علي المواطن الأمريكي وتقييد حركته في
التنقل والسفر وغيرهما.. وعلي أوباما أيضاً ألا يغفل تطلعات
الشعوب الأخري التي تمنت فوزه وانحازت إليه في لحظة تاريخية
فارقة وحملت معه ب "التغيير" تغيير صورة أمريكا الرديئة وما
خلفته من دمار وخراب وثكالي ويتامي في مناطق عديدة من العالم..
ولتكن البداية من محو معتقل جوانتانامو من الوجود باعتباره
رمزاًَ للظلم والتعذيب الوحشي. وتعويض الضحايا وذويهم
والاعتذار "الشجاع" عما حدث فيه من انتهاكات صارخة لآدمية
الإنسانية جمعاء لاسيما وقد صدرت ممن تدعي أنها راعية حقوق
الإنسان ونشر الديمقراطية في العالم المتحضر. أم أنها كانت
مجرد شعارات براقة وذريعة للتدخل في شئون الدول والشعوب.. ثم
عليه الانسحاب "المحسوب" من العراق وتعويض شعبه عما ذاقه من
صنوف القتل والتعذيب والدمار. والاعتذار كذلك عما حدث في سجن
أبو غريب وغيره من انتهاكات هي بمثابة "العار" الذي سوف يلاحق
بوش بل أمريكا والعالم المتمدين كله لسنوات طويلة مقبلة.
* أظن أن أوباما أمامه أجندة مثقلة بالهموم وسوف تتصدر
أولوياته الأزمة المالية العالمية الأخيرة وتبعاتها علي
الاقتصاديات المختلفة وما يتعين علي إدارته أن تفعله لتحسين
الاقتصاد الأمريكي وإنجاز ما وعد به من أجل تحسين وضع المواطن
الأمريكي في الصحة والطاقة وغيرهما وربما يستغرق ذلك بعض الوقت
ثم يلتفت إلي الملفات الأخري كالورطة في العراق وتصاعد الموقف
في أفغانستان والقضايا الأخري مثل طموح إيران النووي والقضية
الفلسطينية التي لا أعتقد أن باراك أوباما سوف يعطيها الأهمية
بل ستكون مسألة ثانوية طالما أنها لا تشكل خطراً علي المصالح
الأمريكية وطالما أن الشعب الفلسطيني منقسم علي نفسه ويحارب
بعضه بعضاً.
* وفي كل الأحوال فإن ثمة تغييراً حدث داخل أمريكا وسوف يحدث
أيضا خارجها وعلي رئيس أمريكا الجديد الذي سوف يكون أفضل
كثيراً من سلفه بوش ومهما قال البعض فإن أمريكا تحكمها سياسات
وليس أشخاص فوجود أوباما علي رأس أكبر دولة هو تغيير في حد
ذاته وأعود إلي ما بدأت به وهو أن صورة أمريكا لن تتغير إلي
الأفضل إلا إذا نفذ أوباما وعوده وعلي رأسها إغلاق معتقل
جوانتانامو ونبذ كل ما هو ضد حريات وحقوق الإنسان وفي مقدمتها
بالطبع ما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب ضد الإنسانية فعندئذ
سوف تتغير نظرتنا لأمريكا.
* وأخيراً قبل أن يكون للعالم العربي والإسلامي مطالب فلابد إن
أردنا أن تلتفت إليها أمريكا في عهدها الجديد أن نعيد ترتيب
أوضاعنا وأن نتجاوز خلافاتنا في إطار الوحدة والتضامن ويكون
لنا رأي نفرضه ولا نبقي تابعين لآراء غيرنا أو ننتظر
الانتخابات الأمريكية أو غيرها من التغيرات التي تحدث في
العالم لأنه لا أمريكا ولا أوروبا سوف تحترمنا وتقف بجانبنا
وتساعدنا في حل مشاكلنا إلا إذا كان لنا إرادة ومكانة واحترام
علي الساحة الدولية بما قدمناه نحن لأنفسنا.
* بصراحة شديدة جاء قرار محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار
المحمدي قنصوة بحظر النشر في قضية مقتل سوزان تميم موفقاً
تماماً. لاسيما بعد تجاوز المحامين وبعض وسائل الإعلام ومحاولة
التأثير علي سير العدالة ويقين المحكمة وإحداث بلبلة في الرأي
العام.. وكلنا ثقة في نزاهة القضاء المصري.. وعدالة المحكمة..
وفي انتظار "حكم بات" يضع الحق في نصابه.
* للأسف الشديد وكعادتها دائماً أخفقت الحكومة في تهيئة الرأي
والذهن العام وتوصيل المغزي من وراء مشروع إدارة الأصول
المملوكة للدولة وتوزيعها علي المواطنين.. وهذا ما عودتنا
الحكومة عليه بإخفاقها في تسويق ما تقوم به حتي ولو كان ذلك
لصالح الشعب.. لابد أن شيئاً خطأ أو أن بعض المسئولين ليسوا
علي دراية سياسية كافية تؤهلهم لفهم الناس أو الالتحام بهم..
أو أن هناك فقداناً للمصداقية والثقة بين الشعب وحكومته وهو ما
يخلق جواً من عدم الطمأنينة فيما تقدم عليه الأخيرة من إجراءات
وسياسات. |