|
هل
لايزال العبور ممكناً..؟!
9
من
أكتوبر
2008م
*
ربما تكون الأجيال الجديدة سعيدة الحظ لأنها لم تشهد ولم تذق
مرارة الهزيمة في يونيه 1967. ولكنها حتماً تعيسة الحظ لأنها
لم تغمرها فرحة النصر والعزة والكرامة في أكتوبر ..1973 ومن
المؤكد أن هذه الأجيال قرأت وشاهدت وسمعت من الآباء والأجداد
عن آثار الهزيمة أو النكسة وويلاتها التي قصمت ظهورنا جميعاً.
ووضعت رءوسنا في التراب. وهي هزيمة قاسية ساقتنا أقدارنا إليها
وإن كانت هناك أخطاء وسلبيات ومؤامرات وثغرات قاتلة قادتنا
أيضا إليها.
* تابعت الأجيال الجديدة أيضاً ورأوا أكاليل الزهور وهي تطوق
أعناق أبطالنا عقب العبور الكبير الذي صنعه شعبنا العظيم
وجيشنا الباسل تحت قيادة أبطال أفذاذ لن يجود الزمن بأمثالهم
أبداً وفي مقدمتهم الرئيس الراحل أنور السادات بطل الحرب
والسلام. والرئيس حسني مبارك صاحب الضربة الجوية الأولي التي
مهدت الطريق أمام أبطالنا لعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف
والزحف بخطي واثقة حاسمة وجريئة نحو سيناء الحبيبة لتحريرها من
دنس العدو وكذلك المشير أحمد اسماعيل الذي كلفه السادات بإعداد
خطة الحرب والعبور في ظروف بالغة الصعوبة. وقد فصل من الجيش
مرتين. أعاده الرئيس عبدالناصر في المرة الأولي عقب النكسة.
وفي الثانية أعاده السادات رئيساً لجهاز المخابرات العامة ثم
عينه وزيرا للحربية في أكتوبر 1972. وقد رأي رحمه الله أن
الحرب وحدها كفيلة باستعادة الأرض والنصر والكرامة ولا سبيل
غيرها.
* ولكن.. ونحن في غمرة أفراحنا واحتفالاتنا بالذكري الخامسة
والثلاثين للانتصار المجيد الذي هز العالم بأسره وأعاد صياغة
استراتيجيات الحروب.. هل مازالت روح أكتوبر المنتصرة تسري فينا
كما سرت في وجدان أبطالنا البواسل وحولتهم إلي وحوش كاسرة
وجعلتهم يواجهون الدبابات والطائرات والمدافع بصدورهم وقلوبهم
العامرة بالإيمان والولاء والانتماء.. وإذا كانت الإجابة
بالنفي طبعا فلابد أن نسأل أنفسنا: لماذا لم تستمر معنا..
ولماذا فشلنا في استثمارها كما ينبغي.. وفي يقيني أننا لو كنا
نجحنا في استثمار هذه الروح العظيمة التي كنا عليها جميعا يوم
التحم الشعب مع الجيش في مشهد تاريخي رائع.. لتغير شكل الحياة
تماماً في مصر.. وما وصلت أوضاعنا وظروفنا إلي هذه الدرجة من
السوء والتراجع. فالانتصار لم يأت وليد المصادفة. ولكنه جاء
بتخطيط تحكم وإعداد علمي مدروس وتنفيذ دقيق ومبهر فاجأ العالم
كله وليس جيش العدو فقط.. ولكني.. أعود وأكرر: لماذا اختفت كل
هذه القيم الخلاقة والمحفزة علي العمل والإنتاج وتحقيق
المعجزات ومواجهة التحديات.. لماذا تلاشت بهذه السرعة وتركتنا
نهباً لليأس الذي استشري بيننا كالنار في الهشيم.. وللاحباط
الذي استحكم فينا.. والخوف من الغد الغامض الذي ينتظرنا!
* لا أحد ينكر أننا حققنا منذ انتصار أكتوبر وحتي الآن إنجازات
كبيرة ولكنها لا ترقي أبداً إلي مستوي الإعجاز العسكري
والمعنوي والنفسي الذي تحقق في أكتوبر 1973 والذي حولنا فيه
الهزيمة إلي نصر وعبور.. واليأس إلي أمل.. فاستعدنا كرامتنا
المفقودة التي أهدرت في نكسة ..1967 وقهرنا عدواً قال عن نفسه
إنه لا يقهر.. فلماذا لم نقهر مشاكلنا وأزماتنا التي تركناها
تقهرنا وتهزمنا.. فأبناء جيل أكتوبر الذين خاضوا الحرب المقدسة
ببسالة فائقة وجرأة لم يشهد لها التاريخ مثيلا وهم يرددون "بسم
الله.. الله أكبر.. بسم الله.. بسم الله" الآن يرتاد أولادهم
وأحفادهم المقاهي ويجوبون الشوارع.. بلا هدف أو مقصد أو رؤية
وبلا تطلع إلي مستقبل أو إحساس بهوية.. حتي أدمن بعضهم
المخدرات.. وسقط البعض الآخر في شباك التطرف والتعصب.. ومنهم
من غامر بحياته بحثاً عن وطن جديد حتي وإن كان وهماً وخيالاً..
للأسف تركناهم يواجهون وحدهم تحديات العصر الجديد ومخاطر
العولمة وحرب الشائعات والفضائيات وتكسير العظام ولم نغرس
بداخلهم روح أكتوبر المجيدة.. ذلك المصل الآمن الذي يقيهم هذه
الشرور والآفات ويلهمهم شجاعة واستبسال الأجداد والآباء العظام
الذين صنعوا نصر أكتوبر.. وأتساءل: هل خططنا لمواجهة مشاكلنا
المزمنة في التعليم والبحث العلمي بتطوير أو تغيير المناهج
وإصلاح طرق التدريس ودعم المدرس والمدارس بما يحتاجان إليه حتي
يصير المنتج التعليمي مؤهلاً لسوق العمل الذي يحتاج إلي
الإلمام بالتكنولوجيا والبرمجة وامتلاك أدواتهما. وهل فعلنا
الأمر ذاته في شئون الصحة والزراعة والصناعة بإعادة بناء
القلاع الصناعية الوطنية التي تحمينا من غول الأسعار والاحتكار
حتي يمكننا إحداث التنمية بنفس الروح التي واجهنا به أعتي
وأحدث الترسانات العسكرية في العالم بإمكانياتنا المتواضعة
وعتادنا وتسليحنا البسيط والمحدود؟!
* وإذا كنا حققنا نجاحاً باهراً في الاعداد لحرب صعبة قالوا
عنها "مستحيلة".. فلماذا لم ننجح في الاعداد والتخطيط لمستقبل
مصر وتحقيق الأمن الغذائي بالاكتفاء الذاتي من القمح وغيره من
السلع الغذائية الاستراتيجية.. لماذا تدهورت الزراعة.. وساءت
أحوال الفلاحين.. ولماذا لا يجد ملايين الشباب من خريجي
الجامعات فرص عمل كريمة ومناسبة؟! لماذا لا تخرج جامعاتنا
علماء ومفكرين وعباقرة ومبدعين مثلما خرجت من قبل طه حسين
وتوفيق الحكيم وعباس العقاد وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي وفاروق
الباز وأحمد زويل ومجدي يعقوب وغيرهم وغيرهم.
* أين ذهبت مشاعر الولاء وروح الانتماء التي كانت تميز
المصريين عن سائر شعوب الأرض.. أين المشروع القومي الذي تلتف
حوله الجماهير.. نريد أن نحيي الأمل من جديد في نفوس الأجيال
الجديدة التي أصابها الوهن والاحباط.. نريد أن نغرس في نفوس
أطفالنا الصغار روح أكتوبر حتي يستلهموها عندما يبلغون أشدهم
ويصنعوا مستقبلهم بنفس مستوي الانتصار العظيم.. فما أسهل أن
نتحدث ونتفاخر بانتصارات أكتوبر - وهي بلاشك حدث فريد ونقطة
فاصلة في حياة مصر - ولكن علينا أن نعترف بالحقيقة ونواجهها
وهي أن روح أكتوبر 1973 لم تعد موجودة لدينا في أكتوبر 2008
ولابد أن نبحث عن الأسباب ونعالجها حتي نستفيد من هذا الحدث
المهم الذي لن ينساه التاريخ المعاصر أبداً.
* وفي كل الأحوال.. لاتزال هناك أسرار كثيرة وجديدة لابد أن
يكشف عنها النقاب يوما ما حتي تعرف الأجيال الجديدة البطولات
الفذة التي حققها شعب وجيش مصر في ملحمة 6 أكتوبر. وادعوا معي
في النهاية أن تعود روح أكتوبر المجيدة إلينا من جديد فهي
المخرج الوحيد من المحن والأزمات والشدائد والصعاب التي
نعانيها الآن.. فهل تحملنا روح أكتوبر إلي عبور جديد نحو
المستقبل؟! |