|
تجارة بالحج ..!!؟
4 منديسمبر
2008م
* لا أتصور أن
يتحول الدين إلي تجارة رخيصة.. وتنقلب فرائض الله إلي مواسم
للبيزنس والاستغلال وتربح الملايين بالباطل.. هكذا تحولت -
للأسف - فريضة الحج هذه الأيام إلي وسيلة لابتزاز الحجاج ومص
دمائهم. مستغلين توق هؤلاء شوقاً إلي زيارة بيت الله الحرام
والسعي بين الصفا والمروة والوقوف علي عرفات الله.. أما الشيء
الذي أصابني بالصدمة والأسي فهو إصرار بعض تلك الشركات علي
إجبار المسافرين لأداء الفريضة علي دفع قيمة التأشيرات مع أنها
مجانية.. ويتذرعون بأن هناك قراراً صدر عن مجلس الوزراء المصري
ببيع التأشيرات الاضافية التي أهدتها المملكة العربية السعودية
إلي مصر.. ولهذا ضغطت هذه الشركات علي الحجاج لتسديد هذه "الإتاوة"
وقيمتها 12 ألف جنيه رغم أنها لا وجود لها في أي بند من بنود
العقود التي أبرمها الحجاج من قبل مع هذه الشركات!
والسؤال.. هل صدر قرار ببيع هذه التأشيرات في السوق السوداء
فعلاً من جانب مجلس الوزراء أو وزارة السياحة.. وأين يذهب عائد
هذه الصفقة المريبة.. هل يذهب للصرف علي أعضاء غرف السياحة..
أو الانفاق علي السفريات والبدلات والمكافآت والإكراميات
والمجاملات.. والنتيجة.. ارتفاع أرقام وتكاليف الحج هذا العام
إلي مبالغ فلكية تتجاوز في بعض الشركات حاجز ال100 ألف جنيه
للحاج الواحد!! بالطبع الرقم مخيف ويدق أجراس الخطر.. فكم منا
يملك هذا المبلغ الضخم في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية
الراهنة التي يكافح فيها كل إنسان لتوفير متطلبات أسرته
الأساسية بالكاد.. فأني له - بعد ذلك - أن يوفر رقماً كهذا حتي
يؤدي فريضة الحج؟!
* أما الظاهرة الثانية التي نرصدها كل عام ولم يستطع علماء
وفقهاء الدين أن يجدوا لها حلاً فهي تكرار أداء الناس لفريضة
الحج والعمرة.. مئات الألوف من المسلمين اعتادوا علي الذهاب
سنوياً للأراضي المقدسة لأداء الفريضة.. لدرجة أن هناك من حج
بيت الله أكثر من عشر مرات.. والبعض تجاوز العشرين مرة سواء
كان ذلك من ماله الخاص أو علي نفقة الغير وما أكثر الجهات
والهيئات العامة والخاصة التي تتحمل الآن تكاليف سفر المئات بل
الآلاف علي نفقتها.. وربما تتكرر نفس الأسماء التي تسافر سنويا
للسعودية بهذه الطريقة!
- والسؤال الذي مازال يبحث عن اجابة - رغم أن العلماء قالوا
رأيهم صراحة في هذه القضية وحسموا الجدال حولها: أيهما أفضل
للإنسان.. أن يحج ويعتمر بصفة دائمة ومتكررة.. أم يكتفي بأداء
الفريضة مرة أو مرتين أو ثلاثاً ثم يوجه أمواله للانفاق علي
المنافع العامة كالبحث العلمي وتحسين أحوال المدارس
والمستشفيات.. أو يضع تكاليف الحج المتكرر في أبواب الصدقة
والزكاة وأعمال الخير وما أكثرها!
ورغم ان الاجابة معروفة مسبقاً وتدعو الحجاج الذين أتموا
الفريضة - التي كلفهم الله بها مرة واحدة في العمر كله - إلي
أن يوجهوا أموالهم إلي ما هو أنفع للمسلمين والمحتاجين - وما
أكثر الذين هم في أشد الحاجة إلي هذه الأموال - ومع ذلك تصر
هذه الفئة علي تكرار الحج والعمرة كل عام. وقد يفعلون ذلك علي
سبيل الوجاهة والمنظرة الكذابة.. وربما يرجع إلي اعتقادهم بأن
الحج يغسل ذنوبهم وجرائمهم وخطاياهم التي ارتكبوها علي مدار
العام.. ويؤكد علماء الدين دوماً أن تظاهر ورياء الأغنياء
بالحج كل عام يؤذي مشاعر ملايين المسلمين الفقراء الذين لا
يقدرون علي الذهاب إلي بيت الله المعمور ولو مرة واحدة في
حياتهم لضيق وقلة ذات اليد.. ناهيك عن أن تكرار زيارة كل هذه
الأعداد الضخمة كل عام يخلق مزيداً من الزحام والتكدس في
الأماكن المقدسة. مما يسبب معاناة شديدة لكل ضيوف الرحمن وخاصة
كبار السن والمرضي وذوي الاحتياجات الخاصة الذين يتكبدون
المشقة في أداء شعائر الحج. مثل الطواف بالكعبة. ورمي الجمرات
وتقبيل الحجر الأسعد والسعي بين الصفا والمروة ثم صعود جبل
عرفات في ختام وأكبر وأعظم شعيرة فرضها الله علي القادرين من
عباده.
وفي كل الأحوال.. لابد أن يبذل علماؤنا وفقهاؤنا جهوداً أكبر
لحث الناس علي الالتزام بتعاليم الدين. واقناعهم بأن الحج إلي
بيت الله مرة واحدة يكفي لمن استطاع اليه سبيلا.. والاستطاعة
هنا تعني القدرة البدنية والمالية علي أداء الفريضة وأن تكون
نفقة الحاج من ماله الطاهر الحلال حتي يتقبل الله حجته وترد
عليه الملائكة: لبيك وسعديك.. مالك حلال.. وزادك حلال..
وراحلتك حلال.. وحجك مبرور غير مأزور.. وأتعجب من البعض الذي
يفسر شرط الاستطاعة علي هواه ويقوم بالحج ولو عشرين مرة متذرعاً
بهذا التأويل أو التفسير الذي يخالف شرع الله.
نتمني نحن - المسلمين - أن نعيد النظر في مواقفنا وأفعالنا
تجاه فريضة الحج المقدسة.. ولابد أن نحتكم جميعا إلي تعاليم
الدين الإسلامي وأن نصحح مفاهيمنا الخاطئة ونتوقف عن تفسيراتنا
المغلوطة التي نطوعها لأهوائنا الخاصة التي ما أنزل الله بها
من سلطان وأن نفسح المجال للآخرين الذين لم يؤتوا سعة في المال
لكي يحجوا بيت الله الحرام ويتمتعوا بزيارة قبر النبي - صلي
الله عليه وسلم - حتي ينالوا شفاعته يوم القيامة.. أما شركات
السياحة التي حولتها إلي بيزنس وتجارة ووصلت بتكلفة الحج إلي
أرقام فلكية لا طاقة لعموم المسلمين بها.. فحسابها علي الله..
وحسبنا الله ونعم الوكيل. |