|
الرئيس الأمريكي
في امتحان..!!
2
من
أكتوبر 2008م
* متي نري انتخابات نزيهة في دول العالم الثالث لا يشوبها
لغط أو توجه إليها اتهامات بالتزوير. فتزوير الانتخابات هو
بمثابة تزييف لارادة الشعوب. ومصادرة لحقها في المشاركة
السياسية. وتحمل المسئولية في اختيار ممثلي الشعب ونوابه
واصحاب القرار السياسي فيه. وهو ما يعطل قوة المجتمع وينزع
الشرعية عمن طبخوا النتائج وفق أهوائهم ومصالحهم الضيقة ويفقد
الثقة فيهم ويصرف الناس عن الفعل الايجابي ويخلق لديهم سلبية
ولا مبالاة بما يجري حولهم أو يخص مصيرهم في شتي شئون الحياة.
* أما الدول الديمقراطية فهي تقدس الانتخابات وتسمح للشعب
بمراقبتها وتحترم ارادته وتضعه امام مسئوليته وتشعره بأنه يملك
زمام الأمور. إذ يمكنه حين يدلي بصوته ان يأتي بمن يراه الاصلح.
ومن ثم تخطئ اي حكومة إذا توهمت أنها قادرة علي ان تحل محل
الشعب أو تنوب عنه وتفعل ما تريد وتأتي بمن تريد.. فأي مساس
بصناديق الانتخابات علي كل المستويات هو اعتداء آثم علي
الدستور وافتئات علي حقوق الشعب الذي هو مصدر كل السلطات وفوق
كل السلطات.. فلم تعد أكاذيب الحكومة سواء في العالم الثالث أو
حتي المتقدم. تنطلي علي الشعوب فقد زادت درجة الوعي وتطورت
وسائل الاتصال بحيث لم يعد ممكنا تمرير أي تلاعب أو تدليس في
الانتخابات. فالشعب حتما سيعرف ان كانت حرة وحقيقية أم لا!!
* من حق الشعوب ان تنتخب من تريده ومن تراه الاكفأ والاصلح
لقيادة الأمم دون ان يتدخل احد أو يفرض عليها وصايته.. فتزوير
الانتخابات في أي بلد لم يعد أمرا هينا بل هو جريمة كبري وسطو
علي حقوق الناس في الاختيار وتزييف لارادة الامة ومصادرة
لمقدراتها وحرياتها. ومن ثم فعلي الحكومات ان تتحلي بالموضوعية
والنزاهة وتشجع علي إجراء انتخابات حرة شفافة وان تحاكم من
يحاول العبث في نتائجها أو تزييف اختيار الشعب وقراره وارادته..
ومخطئ من يتصور ان العالم الثالث قد اعتاد الانتخابات المزيفة
ورضي وسلم بها كأمر واقع.. فقد تغيرت الأحوال بفعل التقدم
التكنولوجي الهائل وتبدلت الموازين وصارت الانتخابات قدس
الاقداس.. ولن يتنازل الشعب اي شعب وفي أي بلد عن حريته بل
سيفرض ارادته حتما ان قصر الوقت أو طال.
* راودتني هذه الخواطر بقوة وتداعت إلي ذاكرتي وانا اشاهد مع
الملايين في انحاء العالم وقائع أول مناظرة تليفزيونية بين
مرشحي الرئاسة الامريكية.. الجمهوري جون ماكين والديمقراطي
باراك اوباما وهي مناظرة جد رائعة. ومباراة ذهنية سياسية قوية
وحماسية. قائمة علي الشفافية والندية والمباشرة بين مرشحين
تباري كلاهما لاحراز النقاط وتسجيل المواقف واستقطاب المشاهد
والناخب الأمريكي بالدرجة الأولي. وهي فوق ذلك امتع من مباريات
الكرة أو افلام السينما ذات الحبكة الفنية الجيدة والاداء
التمثيلي المبدع. فهي معركة سياسية حية ومثيرة فيها الكر والفر
والاقبال والادبار والدفاع والهجوم والغمز واللمز والدهاء
والسخرية.. وقد رأينا مدير المناظرة أو "الحكم" يوجه اسئلة
غاية في الذكاء والمكر والجدة والصرامة لكل من ماكين واوباما..
اسئلة صعبة وفي صميم العمل السياسي ولابد ان يجيب عنها المرشح
في دقائق معدودة لا يتجاوزها.. وتساءلت وانا في غمار تأثري
بالمناظرة وتفاعلي مع مجرياتها: إذا كان اوباما وماكين
المرشحان لرئاسة اكبر دولة في العالم والقطب الاعظم الاوحد
يتعرضان لامتحانات بهذه الدرجة من الصعوبة والقسوة ويتوقف
اختيار احدهما لرئاسة امريكا ووصوله إلي البيت الابيض في
النهاية علي نتائج هذه الاختبارات والامتحانات العسيرة التي
تشكل وجهة نظر الناخب الامريكي وتصنع قناعته واختياره قبيل
توجهه لصناديق الاقتراع.. فلماذا إذن كل هذه الضجة التي احاطت
باختبارات كادر المعلمين التي رأينا فيها العجب العجاب وشكوي
وصريخا وعويلا وتشكيكا ورفضا واحتجاجات واعتصامات واضرابات مع
الفارق الكبير طبعا بين الحالتين.
* نعود إلي المناظرة الأولي وهي واحدة من ثلاث مناظرات تم
الترتيب لها بين فارسي السباق الامريكيين.. ورغم ان استطلاعات
الرأي التي اعقبت المناظرة مباشرة جاءت نتائجها متساوية بين
أوباما وماكين وان تفوق الأول بعض الشيء.. إلا أن كليهما
استمات لاظهار انه "الأجدر بثقة الناخب والافضل والأنسب"
لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لاربع سنوات مقبلة "وهي
فترة الرئاسة".. وركزت المناظرة علي ثلاث مسائل اساسية هي:
ترنح اقتصاد امريكا وسوء سمعتها عالميا وتعرضها المستمر
للتهديد الارهابي.. وجاءت الآراء متشابهة ومتطابقة من جانب
المرشحين. إذ تعمد ماكين بخبث ومكر أن يتهم غريمه اللدود بأنه
ساذج وقليل الخبرة.. بينما جاء رد فعل اوباما سريعا برفض
اتهامات ماكين وربط منافسه بالسياسات الفاشلة للرئيس بوش
الجمهوري علي المستويين المحلي والدولي خاصة في موضوع الحرب
علي العراق وافغانستان.. ورغم ان الازمة المالية استحوذت علي
حيز اكبر من وقت المناظرة.. فإن الجدل حول الحروب التي شنتها
الآلة العسكرية الامريكية تميز بالحدة والسخونة من الرجلين..
وقدم كل منهما رؤيته حول مشاكل الطاقة والغذاء وخفض الضرائب
والرعاية الاجتماعية والصحية.
* لاشك ان انتخابات الرئاسة الامريكية ماراثون وسجال طويل.
يتيح لكلا المتنافسين ان يكسبا تأييدا اضافيا سواء من خلال
مؤتمر حزبه أو من خلال المناظرات التي ادمنها الشعب الأمريكي
وباتت جزءا لا يتجزأ من العملية الانتخابية في بلاد العم سام
وسوف تدور رحي المعركة حتي آخر لحظة عندما يتوجه الناخبون
للادلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع.. وحتي تحين ساعة الصفر..
ربما تتذبذب المؤشرات وتتأرجح التوقعات.. هذا يصعد.. وذاك يهبط..
لكن المهم بمن سيقتنع الشعب الأمريكي في نهاية المطاف بعد ان
يقدم كل مرشح اجندته ويكشف كل اوراقه املا في ان يحظي بقبول
الناخب واقتناعه.. والناخب الأمريكي هذه المرة امام مرشح شاب "اسمر"
ومعه نائب سياسي "ابيض" عجوز.. ومرشح مخضرم "ابيض" معه نائبة
شابة.. وما لفت نظري في المناظرة الأولي أن المرشحين تجمعهما
قواسم مشتركة ظهرت بجلاء في المناظرة. لا سيما ما يتعلق
بالسياسة الامريكية الخارجية في المرحلة المقبلة. أولها اعلان
تأييدهما المطلق ومزايدتهما ونفاقهما لاسرائيل.. وثانيها تجاهل
قضايا العرب والمسلمين وعلي رأسها القضية الفلسطينية.. وطبعا..
العرب يتحملون مسئولية ذلك لانهم تفرقوا وتشتتوا ولم يتوحدوا
علي هدف واحد وهو تكوين لوبي عربي قوي ومؤثر وفعال يعمل له
الجميع ألف حساب مثل اسرائيل التي شكلت اللوبي الصهيوني صاحب
الكلمة العليا في اي انتخابات امريكية.. فلا نشعر بأي وجود
للعرب في الانتخابات الامريكية السابقة أو الحالية.. أو حتي
اللاحقة.. وطبيعي ألا ينشغل الرئيس الأمريكي القادم ماكين أو
اوباما بقضايا العرب مثل سلفه.. وكيف ينشغل بقضايا قوم باعوا
هم قضاياهم وتخلوا عنها!!
* ربما تكون الاحداث الأخيرة التي حلت بأمريكا من اعصارات
وازمات مالية طاحنة وقبلها حرب العراق وخلافاتها مع الاتحاد
الاوروبي وروسيا وازمة إيران.. كلها ستصب في صالح المرشح
الديمقراطي أوباما الذي تفضله شعوب العالم كله.. ولكن يبقي
القرار النهائي للناخب الأمريكي الذي لا يختار رئيسه إلا بعد
امتحانات صعبة يواجهها واختبارات ثقة لابد ان يتجاوزها بنجاح
وهذا يعضد من قوة الرئيس الفائز.
* أقول في النهاية.. الانتخابات الأمريكية لاشك انها رسالة
قوية للعالم الثالث وتضرب المثل للجميع عمليا في الشفافية
والنزاهة وتوضح كيف تخوض الشعوب الانتخابات النزيهة لاختيار
نوابها في البرلمان أو رئيس الدولة.. فهل نتعلم من الدرس
الأمريكي؟!!
|