|
استطلاعات الرأي .. مرة أخري!!
23
من
إبريل 2009م
* مع تقديري للدكتور ماجد عثمان رئيس مركز معلومات ودعم
اتخاذ القرار بمجلس الوزراء. فرغم انه صاحب فكر ورؤية غير
تقليدية وحرفية عالية في أدائه المهني.. فإنني دهشت عندما قابل
رئيس الوزراء منذ أيام وقدم له استطلاع رأي عن أداء الحكومة.
وهو مايدفعني للتساؤل :
لماذا الاهتمام بهذا الاستطلاع بالذات .. هل لأنه يخص الحكومة
بصرف النظر عن ماجاء فيه ..وهل يعكس بالفعل رأي الجماهير
العريضة في الحكومة؟!
أيا كان الأمر فالاستطلاعات التي ينهض بها مركز الدكتور ماجد
رغم حيويتها فإنها تفتقد الي الاتصال المباشر بالناس. ومن ثم
فهي تخلو من الواقعية ولاترسم الاحتياجات الحقيقية للمستطلعة
آراؤهم. اذ يكتفي معدوها بالتليفون كأداة وحيدة لجمع المعلومات
والاراء. وهو مايوحي بالتسرع وعدم الدقة. ولاتتجاوز العينة
منطقة القاهرة وبعض المدن الكبري ويجري الاستطلاع علي عدد
محدود من الناس لايمثل جميع فئات المجتمع. وذلك لايكفي بحال
للوصول الي نتائج واقعية. فأين الاستبيانات والملاحظة المباشرة
وتوسيع رقعة البحث والوصول الي المواطنين في القري والنجوع
والاقاليم ذات الكثافة العالية ومكمن المشاكل الحقيقية.. لكن
تكتفي استطلاعات المركز بموضوعات محددة نشر اغلبها في وسائل
الاعلام بطرق مختلفة وهو مايصرف عنها الانظار. حتي ان بعض
الكتاب كما يقول الدكتور ماجد نفسه يتعاملون مع نتائجها بسخرية
وتندر. ويرونها مادة فكاهة لا اكثر. وهو مايراه تجنيا وافتئاتا
من البعض عليها. اذ هي في نظره الاداة الرئيسية حتي الان
لمعرفة وقياس اتجاهات الرأي العام وكيف يفكر الناس في مصر.
* نعود الي استطلاع الرأي الاخير وأرجو من د. ماجد عثمان الا
يغضب من الاراء التي ترتاب في صحة ومصداقية ونزاهة استطلاعاته
وان يفسح صدره لما اقول.. فهذا في رأيي مرتبط بعدم ثقة الناس
في الحكومة اي حكومة لوجود فجوة كبيرة بينهما وكنت اتمني ان
يلتفت المركز الي هذه الفجوة الخطيرة ويجري استطلاعا لمعرفة
اسبابها وعلاجها وكيف نعيد الثقة بين الشعب وحكومته؟! فكيف يتم
تقييم اداء الحكومة من جانب مركز معلومات حكومي.. وما المقصود
بالحكومة هنا.. وهل تم قياس جودة الخدمات الحكومية ومدي رضاء
الناس عنها.. وهل التزمت الحكومة بتنفيذ ماوعدت به امام
البرلمان.. وهل رصد الاستطلاع مدي التضارب في القرارات
الحكومية بين الوزراء بعضهم بعضا من ناحية وبينهم وبين
المحافظين من ناحية اخري..
* وهل يدلنا استطلاع الرأي الاخير علي أي الوزراء افضل اداء
وايهم أكثر رداءة.. أيهم اقرب للناس وايهم اكثر بعدا وجفاء؟!..
وهل نجحت تجربة الوزراء رجال الأعمال؟!
* اتمني لو قام المركز بقياس أداء البرلمان الرقابي والتشريعي..
وهل قام النواب بدورهم في حل مشاكل دوائرهم ومتابعة اداء
الحكومة والتقدم بمشروعات قوانين تلبي احتياجات الناس وتوائم
متغيرات العصر.. ولماذا يتغيب الاعضاء والوزراء عن حضور
الجلسات.. وما طبيعة علاقة النواب بالوزراء.. وهل هي علاقات
مصالح والحصول علي التأشيرات مقابل التغاضي عن الدور الرقابي
وتأثير ذلك علي الاداء العام للمجلس؟!
* واين دور المركز من المستجدات الحديثة التي طرأت علي مجتمعنا
مثل ظاهرة النصب والتسول وتزايد السرقات والهجرة غير الشرعية
واطفال الشوارع والعنف والعشوائيات والحرائق وغيرها؟!.. وهل
استطلع آراء الناس في المشكلات المزمنة الكبري كالاسكان
والبطالة وزواج الشباب وارتفاع الاسعار وجودة السلع.. وهل حققت
الحكومة العدالة الاجنماعية وتكافؤ الفرص.. وهل اختفت
المحسوبية والرشاوي والفساد في المحليات.. وهل خفت ازمة المرور..
وهل يحصل المواطنون محدودو الدخل علي رغيف العيش بسهولة ام
لاتزال هناك ازمة طوابير ومشاجرات؟!
وهل ساهمت المدن الجديدة في حل مشكلة العاصمة المزمنة.. وهل
تتوافر بها معدلات امان مناسبة ام يفتقد ساكنوها الشعور بالامن..
وماذا عن احوال المرافق والبنية الاساسية وصيانة المشروعات
الكبري؟!
وهل حققت وسائل الاعلام الصحف والفضائيات القومية والمستقلة
المصداقية المطلوبة لدي الناس ومامدي ارتباط الناس بها
واعتمادهم عليها في الحصول علي المعلومات والحقائق بشأن مايجري
حولهم.
* واتساءل لماذا لاتشمل الاستطلاعات اداء الاحزاب السياسية
وعلاقتها ببعضها البعض.. ولماذا هي ضعيفة أو غائبة أو خافتة
وأسباب هذا التراجع المحبط لكثرة النزاعات بين اعضائها وعدم
تحقيق الديمقراطية في داخلها. واسباب عزوف الشباب عن الانضمام
اليها او المشاركة السياسية عموما أو لجوئهم الي كيانات
افتراضية تتخذ من الفضاء الالكتروني مأوي ومنصة اطلاق لافكارهم
ودعاواهم ايا كانت اغراضها ودوافعها؟
وهل بامكان مركز المعلومات الحكومي أن يفسر لنا علميا دوافع
لجوء هؤلاء الشباب الي الواقع الافتراضي وهروبهم من الواقع
الحقيقي او هجرتهم الي خارج الوطن بطرق غير شرعية تحصد ارواح
المئات منهم دون رادع او مغيث؟!!
لماذا لايكون هناك استطلاع حول المستقبل وحول الرئيس القادم
مثلا او الانتخابات البرلمانية المقبلة وتصورات الناس عن
مواصفات النائب المطلوب.. وماذا عن نظام الانتخابات المقبلة
وهل تجري بنظام القائمة الفردية ام النسبية.. وهل تخوض المرأة
الانتخابات ام الافضل ان تتحدد لها "كوتا" معينة.. وماذا عن
طبيعة تركيبة البرلمان القادم.. الخ.
* في كل بلاد الدنيا المتقدمة هناك مراكز متعددة لاستطلاع
الرأي.. فهل سمعنا عن احد يشكك في مصداقية استطلاع اجرته مثلا
نيويورك تايمز أو ال "سي ان ان" أو الديلي ميرور او غيرها من
المؤسسات المرموقة في دول الغرب.. هذه الاستطلاعات تعكس اراء
الشارع ومتطلباته وتقدم صورة حقيقية واقعية لصانع القرار..
وليس معقولا ان تعتمد دولة بحجم مصر علي مركز استطلاع حكومي
وحيد مهما بلغت قدراته وكفاءته فلن يفي بالمطلوب ولن يحقق
الاجماع والتوافق حول نتائج استطلاعاته ودراساته. اذ هو في
النهاية سيصطدم بالصفة الحكومية التي تجعل الناس يعزفون عنه
ويتشككون في مصداقيته.. وقد حان الوقت لانشاء اكثر من مركز
مستقل او خاص شريطة ان تتوفر له مقومات النزهة والمصداقية
والاستقلالية والشفافية بعيدا عن الغرض والهوي والاجندات
الخاصة.. فليس معقولا ان يجري مركز المعلومات بمجلس الوزراء
استطلاعا حول اداء الحكومة ويأتي بنتائج محايدة ثم نطلب من
الناس ان يصدقوها مهما حاول رئيسه ان يقنعنا بنزاهتها. اما اذا
قام بهذا مركز مستقل فسيحدث العكس تماما. ورغم وجود مراكز اخري
صغيرة هنا وهناك لكني أتمني ان تنشئ الجامعات والمؤسسات
الصحفية أو البحثية او حتي البرلمان ورجال الاعمال الوطنيون
وحدات مستقلة يقوم عليها باحثون اكفاء مشهود لهم بالكفاءة
والنزاهة العلمية تكون مهمتهم استطلاع اراء الناس فيما يجري
حولهم وما يرتبط بحياتهم ومستقبلهم وتحليل النتائج ووضعها امام
الرأي العام وصانع القرار.. فلو حدث ذلك سوف تتغير احوال كثيرة
عندنا وتنتهي مشكلات مزمنة وتفسر ظواهر مستعصية علي الفهم
والحل مثل عزوف فئات عريضة عن التصويت في الانتخابات واعراض
شخصيات ورموز من النخبة علماء ومبدعين ومفكرين وسياسيين عن
الترشح لعضوية البرلمان او تراجع مستوي التعليم والصحة. وصعود
ظاهرة التحرش الجنسي والعنف والفساد والوساطة والاحتكار
والاغراق والمضاربة والانتهازية.. صدقوني لو تمت هذه
الاستطلاعات بالقدر المعقول من الحيادية والشفافية فسوف تعبر
بحق عن نبض هذا الوطن وتضع امام الحكومة روشتة علاج حقيقية لما
استعصي من الامراض دون تجميل او تهويل.. وحتي لانترك الفرصة
لمراكز البحث والمؤسسات الاجنبية ان تخوض في المناطق المسكوت
عنها وفق اجندتها الخاصة وان تبالغ في كشف عوراتنا امام العالم
ونحن عنها غافلون او آخر من يعلم.. أما ان تظل استطلاعات الرأي
صناعة حكومية لاتبارح عباءة الحكومة وتختزل في مركز معلومات
حكومي وحيد فهذا ماسوف يزيد من اصوات التشكيك في مصداقيتها وهو
مايوافقني فيه د. ماجد عثمان الذي يدرك بحثه العلمي ضرورة
المشاركة المجتمعية في إنجاز مثل هذه الاستطلاعت ويدرك بالدرجة
ذاتها ضرورة الاستثمار في العقول وانتقاء الاولويات لبناء
مستقبل افضل.. فهل تتحقق لدينا معايير الموضوعية والحياد
والشفافية والامانة العلمية وقبل ذلك كله الاستقلال وابتغاء
الصالح العام في إجراء مثل هذه الاستطلاعات المهمة؟!
|