|
متغيرات جديدة.. وحلول ممكنة..!!
26
من
مارس 2009م
** أيام قليلة تفصلنا عن قمة الدوحة المرتقبة. ورغم أن
الحديث عن القمم العربية بات معادا ومكررا. إذ دأبت أقلام شتي
علي الخوض فيه. وهو ما يوجب الاعتذار للقاريء عن ذلك التكرار
أو حتي التشابه في التناول والمنطلقات والنتائج. وربما
التحليلات والتعليقات.. إلا أن الأمل والضرورة والرغبة في
الخروج من مخاض صعب ونفق معتم تحتم اعادة قراءة الموقف ربما
نجد سبيلا للاجابة عن أسئلة هي حتي الآن بلا ملامح واضحة مثل:
كيف سيكون مستوي التمثيل الرسمي للدول العربية في القمة. وهل
ستتراجع قطر عن دعوتها لايران لحضور القمة رغم عدم الترحيب
العربي بذلك منذ البداية أم سيحدث توافق علي ذلك؟!.. وهل سيصر
الرئيس البشير علي حضور القمة رغم ما يحدق به من مخاطر ربما
تتسبب في احراج السودان بل الدول العربية كلها إذا تم توقيفه
بالفعل.. وقبل ذلك وبعده هل سيتخذ العرب آلية فعلية لتحقيق
توصيات القمة وتفعيل قراراتها علي أرض الواقع؟!
** ربما لا تبدي الشعوب العربية أدني اهتمام بالقمة وهي معذورة
في ذلك. إذ لم تجد في سابقاتها أفعالا ناجزة تحقق أحلامهم
وترقي لمستوي طموحاتهم بل صارت نتائجها معروفة سلفا وهو ما
يصرف عنها رجل الشارع والمواطن البسيط فلا يعلو سوي صوت
الخلافات والمشاحنات العربية علي مرأي ومسمع من العالم أجمع..
لكني أري - رغم ذلك كله - متغيرات ومستجدات وتحديات اقليمية
وعالمية جد خطيرة. تتطلب الجدية والسرعة في التعامل معها بدرجة
تجعل القمة الحالية أهم قمة عربية في السنوات الأخيرة وذلك
لعدة أسباب منها:
* وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل. أكثر تشددا في
المفاوضات وأقل تفاهما مع العرب في القضايا المصيرية.
* إدارة أمريكية تبدي مرونة ظاهرة وتمد يدا حريرية تخفي قبضة
حديدية. تنتهج سياسة الحوار. والتفاهم والدبلوماسية الناعمة في
ادارة الصراعات والملفات الشائكة بدلا من غطرسة القوة
والاستعلاء التي تعاملت بها الادارة الأمريكية السابقة مع
المختلفين معها.
* إعادة اعمار غزة اثر ما تعرضت له من تدمير للبني التحتية
والفوقية وهو ما يتطلب ضرورة تحقيق المصالحة الفلسطينية -
الفلسطينية أولا. بين فتح وحماس ثم بينهما وبين سائر الفصائل
الفلسطينية لتوحيد الصف وحشده وراء قضيته الأولي وتسهيل مهمة
الاعمار.
* مبادرة السلام العربية ومدي استعداد إسرائيل لقبولها
والالتزام بمبادئها. ومدي قناعة قادتها بجدوي تفعيلها ومدي
التزام المجتمع الدولي بمراقبة تنفيذها علي الأرض.
* المصالحة العربية - العربية وتنقية الأجواء بين الأشقاء
العرب أولا. وتذويب نقاط الخلاف وتعظيم مجالات الوفاق.
* الأزمة المالية العالمية ودرجة تأثر العرب بها حاليا
ومستقبلا وحاجتهم إلي التكامل الاقتصادي فيما بينهم لتخفيف
آثارها لاسيما أن الدول النامية هي الطرف الأضعف والأكثر تأثرا
بها في ظل التكتلات الدولية الراهنة.
* أزمة توقيف البشير ومدي اصراره علي حضور القمة.. وهل تفعلها
المحكمة الجنائية وتنفذ تهديدها بخطف طائرة البشير.. أم يتراجع
الرجل عن السفر للدوحة حتي يتم انهاء الأزمة دوليا بالمساعي
الدبلوماسية.. وهل يقبل بالفتوي الشرعية السودانية التي تري
سفره إلي قطر تهلكة ينبغي تجنبها.. أعتقد أن سفره سيضر به
وببلده وبالقمة العربية ذاتها أكثر مما قد ينفع. ويمكنه أن
يستعيض عن ذلك بمندوب عنه يخاطب القمة بكلمات ورسائل وخطابات
وهو في موقعه بالخرطوم.
* التقارب الأمريكي - الإيراني واعلان أوباما عن مبادرة جديدة
تهدف للحوار المباشر مع ايران واعتماد الدبلوماسية بديلا للقوة
والتهديد اللذين دأبت أمريكا علي استخدامهما ضد من يختلف معها
وهو ما ورطها في مستنقع العراق وأفغانستان وغيرهما.. فهل سيكون
هذا التقارب علي حساب الدول العربية وهل يشمل كل اللاعبين
الذين لهم مصالح وأدوار في المنطقة بما فيهم إسرائيل.. لاشك أن
هذا نهج جديد وغريب من أمريكا في وقت اشتدت فيه الخلافات بين
أغلب الدول العربية وإيران.. فهل تنجح أمريكا - أوباما في
تحقيق العدالة بالمنطقة وتدير حوارا عقلانيا محايدا وموضوعيا
دون محاباة إسرائيل ونصرتها ظالمة أو مظلومة.. وهل ستنجح في
ذلك دون تقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين قادوا العدوان
الوحشي علي غزة إلي محاكمة دولية عادلة.. وهل تتراجع المقاومة
رغم احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية واستخدامها أحدث
الأسلحة الفتاكة لتصفية شعب وقضيته؟!
* المناخ السياسي زاخر بقضايا معقدة وشائكة لم نشهدها من قبل..
وان لم تكن هناك نية صادقة ورغبة جادة وارادة حقيقية ومبادرات
خلاقة مخلصة تواجه المشاكل الراهنة فقد تكرس هذه القمة
انقساماتنا وخلافاتنا.. وبدلا من أن يوحدنا لقاء الدوحة سنخرج
منه أكثر تصدعا وعداء يصب في مصلحة غيرنا.. وما أدراك ما غيرنا
وما يدبرون لنا ويريدون بنا؟!
وبعيدا عن الملفات الشائكة التي اعتدنا عليها منذ سنوات طويلة
ولم تتحرك خطوة واحدة للأمام.. فأظن أننا بصدد قضايا اقتصادية
محورية ناقشتها باستفاضة قمة الكويت الأخيرة.. فهل ستجد القمة
العربية في الدوحة متسعا من الوقت ورحابة الصدر وسعة الأفق
والنظرة المستقبلية لتناول الملفات الاقتصادية المطروحة بقوة
والتي تهدد هي الأخري أمتنا العربية خصوصا في ظل التداعيات
الخطيرة التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية العالمية والتي نتابع
ونعايش آثارها المروعة من خلال انكماش الاقتصاديات وتسريح مئات
الآلاف من العاملين وتراجع الصادرات وانخفاض أسعار النفط
وغيرها من التوابع الخطيرة.. فهل ستتخذ قرارات حاسمة بشأن
مشروع أو حلم السوق العربية المشتركة والأمن الغذائي والمائي
والاتحاد الجمركي وحرية انتقال العمالة العربية والاستثمارات
وغيرها من طموحات الشعوب العربية وصولا إلي أمة واحدة.. كيان
واحد.. تجمع واحد.. بلا عوائق أو حواجز أو موانع ثم.. ثم هل
تعود الأموال العربية المهاجرة والتي تزيد علي الألف مليار
دولار لاستثمارها في الوطن العربي في ظل هذه الظروف الاقتصادية
الصعبة.. ربما يكون ذلك أفضل لأصحابها وأكثر نفعا لأبناء الأمة
العربية في اقامة مشروعات انتاجية. فالوقت مناسب تماما لمثل
هذه المشروعات.. وربما نكون أمام فرصة تاريخية لن تتكرر
اتاحتها الأزمة العالمية الطاحنة وتداعياتها الاقتصادية
الخطيرة.. فاذا كانت الشعوب العربية اعتادت من قممها علي مر
السنين ألا تحقق شيئا فلا أقل من أن تنجح القمة الحالية في
تحقيق التكامل الاقتصادي العربي واطلاق مشروع السوق العربية
المشتركة.. فربما يكون ذلك انجازا تاريخيا يدخل السعادة
والبهجة إلي ملايين القلوب اليائسة البائسة التي امتلأت احباطا
مع انعقاد كل قمة عربية.. وعموما نرجو أن نخرج من القمة بأقل
الخسائر الممكنة.. فما يدعونا للأسف والحسرة علي حالنا أنه مع
كل قمة عربية أن تزداد وتتضاعف القضايا المطروحة والأزمات
الشائكة.. وتزداد بالدرجة ذاتها الاختلافات والانقسامات.. وها
هي قمة الدوحة تضيف ملفا جديدا وخطيرا ينذر بعواقب وخيمة إذا
لم نتحد معشر العرب وهو الأزمة السودانية واعتقال البشير اضافة
إلي أزماتنا المزمنة والمستعصية! كل هذه الملفات إذا لم يتم
التعامل معها بالجدية اللازمة فسوف تعصف بنا الأزمات المتلاحقة
دون رحمة.
|