|
استطلاعات الرأي..؟!
26
من
فبراير 2009م
* تمنيت لو أن في مصر أكثر من مركز لاستطلاع الرأي العام.
ليس مركزاً حكومياً أو أكاديمياً فحسب. بل خاصاً ومستقلاً لكي
يثري المشاركة المجتمعية بجميع أشكالها وهو ما يصب في صالح
الوطن والمواطنين ويعمق الممارسة الديمقراطية. وينقل صورة
واقعية مباشرة عن اتجاهات المجتمع ورأي الشارع فيما يجري حوله
من أحداث وقضايا مصيرية تمسه بالدرجة الأولي. فمن أجله تجيء
الحكومات وتذهب وتصدر القرارات وتنفذ وتعكف الأجهزة علي دراسة
احتياجاته ومطالبه.
* تمنيت ألا يقتصر الأمر علي مركز معلومات حكومي وحيد لا يمكنه
بحال ومهما كانت قدرات القائمين عليه والعاملين فيه أن ينهض
بقياس الرأي العام في مصر كلها في شتي القضايا.. فمثلاً هل تم
استطلاع رأي المواطنين بشأن متاعبهم ومشاكلهم اليومية..
وطموحاتهم وآمالهم المستقبلية.. وهل استطلعت آراؤهم في قضايا
مهمة مثل الدعم وهل يكون مالياً أم عينياً. وما هي السلع
الضرورية التي لا يستغني عنها وتفوق القدرة الشرائية لمحدودي
الدخل. وهل استطلعت الآراء فيما يخص مشروع "الملكية الشعبية"
قبل طرحه علي الناس من خلال وسائل الإعلام. وهل استطلعت الأراء
بشأن كيفية تطوير التعليم والبحث العلمي وأسباب عزوف المصريين
عن التعليم الفني رغم حاجتنا الماسة إليه للاستثمار في البشر
وإحداث تنمية مستدامة بإعداد كوادر فنية مدربة في مجالات تقنية
حديثة. أو بشأن الأسعار وارتفاعها غير المبرر رغم الأزمة
العالمية وانخفاضها عالمياً إلا عندنا؟!
* وهل تم استطلاع الرأي العام فيما يخص القوانين المعروضة علي
البرلمان قبل إقرارها مثل قانون الإرهاب أو الأحوال الشخصية أو
الوظيفة العامة. والاستناد إلي مؤشرات ونتائج تلك الاستطلاعات
في تبصرة أعضاء البرلمان والحكومة معاً بضرورة تلبية الحاجة
الشعبية أولاً وتحقيق ما يصبو إليه المجتمع من تشريعات توائم
احتياجاته. وتستشعر نبضه وآماله. حتي يكون هناك انسجام وتناغم
بين نصوص القوانين ومجال تطبيقها وحتي يتحقق التفاعل والتكامل
بين المواطن والجهات المنوط بها أعمال القوانين وتنفيذها.
حينما يدرك المواطن أن القوانين إنما جعلت لتنظيم حياته
وتيسيرها وضبطها والحفاظ علي حقوقه فربما تختفي أو تقل الأخطاء
والسلبيات. وتتعاظم الإيجابيات وتعلو سيادة القانون.
نفس الحال فيما يتعلق باستطلاع رأي الناس في أداة الحكومة. فهل
أقدمت الحكومة مثلاً علي قياس مدي الرضا الجماهيري عن الخدمات
والمشروعات التي تنفذها والسياسات التي تنتوي الاسترشاد بها
والتي تستهدف المواطن خاصة محدودي الدخل والفئات الأولي
بالرعاية. وهل قيس مدي رضا الناس عن الأداء الحكومي بوجه عام
من عام لآخر حتي تطمئن الحكومة إلي أنها تسير في الطريق
المنشود وان أداءها يلقي القبول العام. فلا تلتفت حينئذ إلي
النقض المغرض مادامت تستند إلي زاد جماهيري وتأييد متنام
يدعمها ويجسد نجاحها علي أرض الواقع وحتي لا تكون أقلام
المعارضة وحدها أو وسائل الإعلام الأخري هي فقط المؤشر الوحيد
للحكم علي هذا الأداء؟
* كم أتمني أن يكون لدينا أكثر من مركز استطلاع رأي بل عشرات
المراكز الجادة الهادفة لكي تطلع صانع القرار علي حقائق الصورة
من شتي زواياها بأرقام لا تعرف الكذب ولا المجاملة.. تنقل نبض
الشارع وآماله فذلك أصدق رغم بساطته المباشرة من كل تقارير
المكاتب المكيفة واللجان الرسمية والفرعية التي لدينا منها
آلاف التقارير كما لدينا آلاف الرسائل الجامعية فوق أرفف
المكتبات يعلوها التراب وتطويها جدران النسيان رغم ما أنفق
عليها من مال وجهد كبيرين ومن ثم فاستطلاعات الرأي صارت بمثابة
"البوصلة" السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضاً وكلنا رأينا
ذلك في الانتخابات الأمريكية التي جرت نهاية العام الفائت. كما
رأينا مؤخراً في الانتخابات الإسرائيلية. إذ جاءت نتائج أغلب
هذه الاستطلاعات حقيقية ومطابقة للواقع. وهو ما نتمني أن يلتفت
إليه في مصر فتتعدد وتتنوع مراكز الاستطلاعات والأبحاث ليس
العلمية فقط بل الاجتماعية والسياسية والفكرية أيضاً.. فمصر
جديرة بعشرات المراكز لاستطلاع اتجاهات الرأي العام.. وعيب..
وألف عيب أن تختزل العملية كلها في مركز معلومات حكومي "يتيم"
ذي طبيعة معينة تفرضها تبعيته لمجلس الوزراء.. نحن في حاجة
دائمة للتعرف علي آراء المواطنين في قضايا مصيرية تفرض نفسها
علي الساحة السياسية والاجتماعية.. فهذه الاستطلاعات وإن كانت
تقوم علي عينات عشوائية محدودة لا تمثل المجتمع كله لكنها لا
تخلو من دلالة واقعية بلا تزييف. فهي تعكس أراء المواطنين
الحقيقية وتتمتع نتائجها بمصداقية عالية لأنها تصدر مباشرة عن
أفراد المجتمع.
|