السيرة الذاتية
معا للمستقبل
 البوم صور
حوارات
معرفه بلا حدود
الخط الساخن
الو

 

 

أي مستقبل بدونهما..؟!!
16  من إبريل 2009م


في ذروة الأحداث الراهنة وسخونتها محلياً وعالمياً.. وجدت نفسي منحازا إلي الكتابة في موضوع شديد الأهمية وهو مستقبل التعليم والبحث العلمي في مصر.. فكلنا يحلم بمصر قوية بالعلم والعلماء. فتية بمتعلمين واعين. لا جهلاء أميين. عفية بالبحث العلمي المبدع الخلاق الذي يمسك بزمام حضارة المعلومات والتكنولجيا ويأخذ بناصية العلم.. لا أن تظل ابحاثنا الجامعية- رغم جدتها وبكارتها وكثرتها التي لا ينافسنا فيها سواء الهند قياسا بعدد السكان- لا تزال تلك الأبحاث مجرد أفكار نظرية لا تبارح مكانها. فوق أرفف المكتبات تسبح في بحر الظلمات.. وهو ما يكبدنا- والحال هكذا- خسارة مزدوجة من جهة ما أنفق عليها. وما يمكن ان نجنيه إذا ما طبقناها علي أرض الواقع.. ولا أدري سببا منطقيا يجعلنا ننصرف عن هذا الكنز ولا نحصي رسائلنا العلمية لاسيما في مجالات العلوم التطبيقية والبحتة لنعرف ايها اجدي تطبيقا فنضعه امام صانعي القرار ورجال الاعمال فربما رقت قلوبهم لها فتجد طريقها الي النور من خلالهم ولا تصبح مجرد أداة لنيل درجات علمية أو ترقيات للأساتذة فقط بل توظف لخدمة البيئة المحيطة والاقتصاد الوطني وشتي مناحي الحياة.
¼ لا يعترف الحاضر ولا المستقبل بالشعوب الضعيفة ولا يمد أحدهما أو كلاهما يده لمصافحة من ينظر وراءه ولا يبصر غده أو واقعه. فبقاء اي دولة مرهون بقدرتها علي تحقيق معادلة القوة والتفوق.. قوة العلم والتفوق في سباقاته.. وقد تحدثنا- ولا نزال- في مصر عن إصلاح منظومة التعليم والبحث العلمي.. وأظنه حديثا مستهلكا مالم تصحبه ارادة قوية جامعة للتطبيق وهو هدف منشود مازلنا- للأسف الشديد- نبحث عنه دون جدوي والنتيجة أقرب إلي الكارثة. إذ ضلت جامعاتنا طريقها الي العالمية والتميز حتي خرجت جميعا من المنافسة أو من قائمة افضل مائة جامعة في العالم. لا فرق في ذلك بين جامعة القاهرة أو عين شمس أو حتي الازهر. وصار خريجوها خلوا من التميز في اسواق العمل المحلية والعالمية.
ولا اظن ان ذلك مسئولية الحكومة الحالية وحدها. بل هو تراكمات حكومات متعاقبة بعضها فوق بعض. نسمع طحنا ولا نري طحينا.. تنعقد اجتماعات وتنفض لجان وتنتظم مؤتمرات والمحصلة خريج ضعيف لا يحسن من أمره شيئا.. لكن يحسب للحكومة الحالية خطواتها الجادة التي اتخذتها اخيرا عندما اعلن الدكتور نظيف في بيانه الأخير امام مجلس الشعب عن زيادة المخصصات المالية للتعليم من 36 مليارا الي 48 مليار جنيه. ثم الصحة من 15- 18 مليارا. ولم يخف د.نظيف حقيقة ان زيادة هذه الاعتمادات جاءت بسبب تناقص مخصصات الدعم من 138 إلي 73 مليار جنيه. نتيجة خفض اسعار البترول والقمح وغيرهما من السلع التي تستحوذ علي النصيب الأكبر من دعم الدولة.
المهم.. انتبهت الحكومة أخيرا إلي إصلاح التعليم كحجر زاوية ومنصة اطلاق لأي إصلاح مأمول. وأدركت أنه أولوية قصوي في جدول أعمال المستقبل فالتجارب العالمية الناجحة- كبرت أم صغرت- تؤكد ذلك. ولا سبيل الي الاصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبري في غيبة التعليم الجيد والصحة السليمة.. وهو ما ركز عليه الرئيس حسني مبارك ولا يزال يشدد علي اهميته مرارا وتكرارا. إذ يؤكد- دومًا- أن التعليم والصحة جناحا التنمية المأمولة والمرتقبة في مصر. فبهما تتحقق برامج التنمية المستدامة. وتزيد الصادرات وتتدفق الاستثمارات. وتتحسن الخدمات. وتتحقق جودة الحياة.
ورغم ذلك فلم تستشعر الحكومات المتعاقبة فحوي هذه الرؤية المستقبلية ولا ادركت اهمية هذين المقومين فخصصت لهما ميزانيات هزيلة وهو ما جعلهما محلك سر!! وإذا استلهمنا تجارب ناجحة لدول صغيرة- مثل ماليزيا أو سنغافورة أو حتي قبرص- نجدها صنعت نهضتها تلك في سنوات معدودة ربما لا تجاوز عقدا من الزمان فقد وضعت هذه الدول الصغري التعليم والبحث العلمي والصحة علي قمة أولوياتها. وعكفت علي تنمية روح الإبداع والابتكار والتجويد في نفوس ابنائها. وخصصت لذلك ميزانيات هائلة تزيد علي مجالات كثيرة وربما مهمة فتحقق لها ما اردت.
وإذا كانت الدولة باتت تدرك أهمية التعليم وأولوية البحث العلمي. فزادات الاعتمادات المخصصة للتعليم بنسبة 25%. والصحة 16% لكني أري ورغم ايجابية هذه الخطوة أن ذلك لا يرقي الي المستوي المطلوب والطموحات العريضة التي نتغياها من التعليم. فإن كنا نؤمن بحق أن التعليم الجاد والبحث العلمي الخلاق هما مفتاح اي تقدم يجعلنا أقوياء لدينا إنتاج متميز وصادرات جيدة وفيرة وعقول مبدعة وخبرات معتبرة ودفاع وأمن محكمان ومواطن متحضر قادر علي الفهم وقيادة قاطرة التنمية.. فالمؤكد ايضا ان ما يحاصرنا من مشاكل وعشوائيات وازمات هي نتاج تعليم هزيل يفتقد ادني معايير الجودة والتميز والانتاجية ومهارات سوق العمل. ولا مفر الآن من اقتحام ملف التعليم المحوري بجرأة وشفافية.. بحوار حقيقي هدفه الصالح العام ونهضة الأمة.. حوار مجتمعي تشارك فيه كل الأطراف المعنية.. حوار يناقش قضايانا المزمنة مثل مجانية التعليم والتعليم الفني والتعليم الخاص وغيرها من القضايا الشائكة المتداخلة.. وإذا كنا نتفق جميعا علي بقاء مجانية التعليم وعدم المساس بها.. فيجب ألا يحصل عليها إلا من يستحقها فعلا.. فلا يستقيم أبدا أن تستمر الدولة في رعاية واحتضان ودعم طالب رسب في كليته أو مدرسته 4 سنوات أقل أو أكثر.. بينما تهمل الطالب المتفوق وتساويه بالطالب المتعثر أو المستهتر.. فالطالب المتفوق والمتميز ينبغي أن يكون أولا في بؤرة اهتمام الدولة والمجتمع.. فالنابغون والنابهون والمتميزون هم الذين سيعبرون بمجتمعنا وأمتنا إلي آفاق المستقبل.. ولذلك يجب ألا تبقي مجانية التعليم حقا مطلقا أبدا للجميع.. تعطي لمن يستحقها ومن لا يستحقها.. ثم ندرس اي المراحل يجب ان تقتصر عليها مجانية التعليم بحيث يتعلم الجميع القراءة والكتابة تفاديا لكارثة الأمية.. ثم بعد ذلك يتحول الذين اجتازوا المراحل الاساسية بشق الانفس الي المجالات الفنية.. فنحن ككل الدول نحتاج إلي السباك والنجار والميكانيكي وغيرهم من اصحاب المهن الحرة وفي عقولهم شيء من التعليم يؤهلهم لفهم ما يجري حولهم من متغيرات.. فالتعليم الأساسي حق للجميع.. والفني للأغلبية العظمي.. والعالي للأقلية المتميزة والمتفوقة.. وبذلك نستطيع أن نضبط الهرم ونغير المفاهيم الموروثة التي قادتنا إلي هذا الوضع المتخلف!
فالتعليم يجب أن يجد له مكانًا أساسيًا علي أجندة الحكومة والأحزاب والبرلمان وكل قوي ومؤسسات المجتمع المدني.. صحيح أن هناك موارد وثروات طبيعية كثيرة نملكها.. ولكن هناك موردا اهم واغني لم نستغله حتي الآن وهو القوي البشرية أو الاستثمار في بشر أهملنا في تعليمهم بالشكل الواجب الصحيح.. فالتعليم المتميز يخلق وضعا صحيا جيدا أو مثاليا ويقينا من أمراض كثيرة ننفق علي علاجها الملايين.. والملايين أقول في النهاية.. لا بديل عن التعليم.. ولا نهضة إلا بالبحث العلمي.. وهما بلاشك.. يحتاجان إلي ميزانية ضخمة ومؤسسات قوية.. وقبل كل ذلك إنها حالة الانفصام الحاصلة حاليًا بين جامعاتنا ومراكز البحث العلمي وبين مواقع الإنتاج المختلفة.. فكلنا مع الشاعر والصحفي جمال بخيت في دعوته "لحلم العلم".. فأساس قوة الأمة ودعامة نهضتها ليست الموارد الاقتصادية أو الطبيعية والمصانع والآلات والأسلحة فحسب بل يضاف إليها وربما يجيء قبلها العلم والمعرفة.. ولذلك هيا بنا جميعًا نطلق حملة توعية قومية نشجع فيها العلم والعلماء ونشد من أزر الباحثين والمبدعين والمبتكرين إذا أردنا حقا ان نكون اقوياء.. وليس ضعفاء.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©