|
رسائل الشوري..!!
10 من
يونيو 2010 م
انتهت انتخابات الشوري.. ونجح فيها من نجح. وأخفق من أخفق..
لكن تبقي القراءة المتأنية لنتائجها وما سبقها أو ما تبعها
فريضةً سياسيةً تستوجبُ استخلاصَ ما فيها من دروسي وعبري.
ومآخذ ومآثر. وإيجابيات وسلبيات.. فالمشهد الانتخابي لا يخلو
من تناقضات. ولا يكف عن إثارة تساؤلات تستلزم الالتفات إليها
أملاً في تفاديها فيما هو قادم من انتخابات ..!!
أول تلك التساؤلات: هل أفرزت الانتخابات ما كان مأمولاً من
تغيير في الوجوه القديمة.. وهل جاءت بعناصر جديدة علي قدر أكبر
من العلم والخبرة والدراية والحنكة السياسية والفهم والوعي
بطبيعة مشاكلنا. وخطورة ما يواجهنا من تحديات ومتغيرات في
الداخل والخارج ..؟!
هل عكست تلك النتائج ما تزخر به مصر من كفاءات وكوادر قادرة
علي النهوض بأعباء التغيير المأمول ومتطلبات المستقبل ..؟!
وهل أعطت للمرأة والأقباط مساحة أكبر في التمثيل النيابي.
والوجود البرلماني.. ؟!
إذا كانت الإجابة بالنفي أو "بَيْن بَيْن".. فما نرجوه أن
تتدارك النسبة المخصصة للتعيين بمجلس الحكماء هذا القصور. حتي
تضع الأمور في نصابها.
نتمني لانتخابات مجلس الشعب المقبلة أن تحدث تغييراً ملموساً.
وأن تحظي بمشاركة أوسع. وأن تتجاوز ما يكون قد وقع في انتخابات
الشوري ..!!
أما أحزاب المعارضة التي أعرض بعضها عن المشاركة في الانتخابات.
بزعم فقدان الثقة في نزاهتها.. فلا داعي أن تعلق تلك الأحزاب
فشلها في الدفع بكوادر قادرة علي المنافسة وحصد الأصوات
وانتزاع ثقة الناخبين. علي شماعة "النزاهة".. فالمشاركة
السياسية. وحث الناس علي الإدلاء بأصواتهم هما الضمانة
الحقيقية لصون الانتخابات من أي شائبة. أو شبهة تزوير حتي لو
أراد البعض لها غير ذلك ..!!
الانتخابات - ككل الأشياء في حياتنا - فيها السلبيات. وفيها
الإيجابيات. ومهما نختلف أو نتفق علي نتائجها فلابد أن نشارك
فيها. وندعو غيرنا ممن يعزفون عنها وعن غيرها من شئوننا العامة
إلي المشاركة والتفاعل. حتي نعظم إيجابياتها ونتلاشي ما دون
ذلك. وحتي نعمق تجربتنا الديمقراطية وصولاً لما نستحقه منها -
وطناً ومواطنين - .
و أحسب أن الطريق إلي ديمقراطية حقيقية يبدأ بالأحزاب. أحزاب
فعّالة تستمد وجودها من الشارع. أحزاب تناضل لا من أجل بقائها
فحسب. بل من أجل المنافسة وضخ مزيد من الدماء والحيوية في
شرايين الحياة السياسية وأوصالها.
وقبل أن تطالب تلك الأحزاب غيرها بتحقيق الديمقراطية فعليها أن
تمارسها هي أولاً في صفوفها وبين أبنائها. وأن تبدأ بنفسها.
لتخرج لنا كوادر تؤمن بديمقراطية مارستها علي أرض الواقع.
وصعدت من خلالها إلي مراتب القيادة وصفوفها الأولي.
الحراك السياسي "الفعّال" يبدأ من القاعدة لا القمة. وبقدر ما
نحتاج إلي مشاركة المواطنين وزيادة إقبالهم لاختيار ممثليهم في
البرلمان. تزداد حاجتنا إلي أحزاب "ناضجة" تمارس العمل السياسي
بمختلف درجاته وصنوفه. أحزاب تتعايش فيها الأجيال. وتتبادل
القيادة والمناصب. ويتدرب فيها الشباب علي أدب الاختلاف وقبول
الآخر. والاحتكام إلي قواعد الشفافية والالتزام بنتائجها مهما
تكن.
وكلما ازداد الحراك قوةً في الأحزاب دب النشاط و الحيوية في
جسد المجتمع "السياسي" كله. وإذا صدق الناس أحزابهم ازداد
انتسابهم إليها. وانتظامهم بين صفوفها. وصارت المشاركة
السياسية من ممارساتهم المعتادة. وسلوكياتهم المألوفة. وهو ما
يؤتي ثماره إيجابية تجتث السلبية والانعزال من جذورهما.
قد يبدو المزاج العام "متعكراً" سلبياً. وهو ما يجعل العزوف
السياسي طبيعياً في أجواء كهذه.. لكن ما ليس طبيعياً أن يكون
هناك كل هذا العدد من تلك الأحزاب ولا يعرف الناس حتي أسماءها.
ناهيك عن برامجها ومبادئها وخططها.. فإذا عجزت تلك الأحزاب حتي
عن تعريف الناس بها.. فكيف تقنعهم بالانضمام إليها أو انتخاب
أعضائها في البرلمان؟!
لابد من توعية مجتمعية. يشارك فيها المجتمع المدني ومنظماته.
والأحزاب ونشطاؤها. والإعلام ووسائله. والحكومة وأجهزتها كافة.
ليجيب الجميع عن سؤال: لماذا يعزف الناس عن المشاركة السياسية.
وكيف ندفع الناس للمشاركة التي لن يتحقق من دونها تجربة
ديمقراطية "رشيدة" يحرص عليها الرئيس ويتمناها الشعب كله..!!
نلوم أوباما.. والعيب فينا ..!!
في مثل تلك الأيام من العام المنقضي.. ألقي أوباما خطابه
التاريخي في جامعة القاهرة. وهو خطاب أشاع أجواء من التفاؤل
والأمل. ورفع سقف الطموحات والأماني إلي الذروة. حتي توقع
كثيرون ممن أحسنوا الظن به. أن يقدم حلولاً سحرية لمشكلاتنا
العالقة. سواء فيما يخص قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي. أو
تحسين علاقات العالم الإسلامي وأمريكا التي تعكرت جراء السياسة
الحمقاء لسلفه جورج بوش.
مضي عام كامل علي إطلاق أوباما وعوده وتعهداته.. وتبدل الأمل
والتفاؤل تشاؤماً وإحباطاً.. ولست أدري.. هل فهمنا خطابه خطأ.
أم أنه نكث بعهوده وارتدَّ عنها أم هما معاً ..؟!
وحين نعود لخطاب أوباما لنضعه تحت مجهر التحليل والتقييم - وهو
ما لا نهتم به كثيراً -.. نجد كلماته واضحة لا لبس فيها ولا
غموض. ولا تضليل ولا خداع.. فلم يشأ الرجل أن يوهمنا بقدراته
الخارقة. بل قال بعبارات محددة: "إنني أدرك أن التغيير لا يحدث
بين ليلة ي وضحاها. ولا يمكن لخطاب واحدي أن يلغي سنوات من عدم
الثقة. كما أنني - والكلام لأوباما - لا يمكنني أن أقدم الحل
لكل المسائل المعقدة التي أدت بنا لهذه النقطة".
وعلي الرغم من أن كلمات أوباما أوحت بالأمل في ظاهرها. فقد
حملت مبررات التقاعس والنكوص في باطنها. فلم يجزم الرجل بحل
المسائل المعقدة.. لكننا خدعنا أنفسنا. وأخذنا من كلامه ما
أردناه علي طريقتنا ثم خلدنا إلي الراحة والاستكانة.. حتي
تفاقمت الأمور أكثر وأكثر فعدنا نحمله أوزارنا وخطايانا. وما
فعلناه بأنفسنا.. والسؤال الذي ينبغي أن نقف أمامه طويلاً: هل
من حقنا أن نسأل أوباما عن شيء لم يجزم به صراحة. أو نتهمه
بالفشل والعجز عن مجابهة إسرائيل وردعها ..؟!
أوباما لم يعجز عن إقناع إسرائيل - كما يتوهم بعضنا - بوقف
بناء المستوطنات. ولا الكف عن تجريف الأراضي وهدم المباني
وتخريب العمران.. ولو أراد ذلك لفعله. لكنه يؤدي ما التزم به
تجاه إسرائيل. وما تعهد به لحمايتها والذود عنها. ومن ثم فهو
ليس عاجزاً بل داعماً. ومؤيداً وحليفاً لها - شأنه في ذلك شأن
أسلافه من رؤساء أمريكا جميعاً - ولو أرادت أمريكا وقف
الاستيطان من قديم لفعلت. ولو أرادت أن ترغم إسرائيل الآن علي
تقديم تنازلات لتستمر مفاوضات السلام حتي يتحقق الحل النهائي
مع العرب ما استطاعت إسرائيل أن ترفض.. لكن كيف تفعل ذلك
وأصحاب القضية مختلفون متفرقون. يزايد بعضهم علي بعض. ويلقي
بعضهم بالتهم جزافاً في وجه البعض.. بل كيف ننتظر من أمريكا أن
تحارب معركتنا نيابة عنا.. وننسي أنها لن تقدم خدمات مجانية
للعرب علي حساب ربيبتها وصنيعتها إسرائيل ما لم تضطرها الظروف
إلي ذلك ..؟!
تحميل أوباما وحده مسئولية ما يجري عبث كبير. وخلط متعمد
للأوراق. أو جهل بطبائع الأمور.. وهو ما يضعنا مجدداً في
مواجهة أنفسنا: ماذا قدمنا نحن لقضايانا ولاستعادة حقوقنا ..؟!
لاتزال خلافاتنا تتسع يوماً بعد الآخر. حتي غدت المصالحة
الفلسطينية ضرباً من ضروب المستحيل. فما بالنا بالمصالحة
الأكبر والأشمل بين الأشقاء العرب من المحيط إلي الخليج ..!!
وقبل أن نسأل أوباما أو نحاسبه علي انحيازه لإسرائيل. ولماذا
قدم لها مبرراً سائغاً حين اقترفت جريمتها في حق أسطول الحرية
المحمَّل بمعونات إنسانية لشعب غزة.. لابد أن نسأل أنفسنا: كيف
نطلب من الآخرين ما لم نقدمه نحن لأنفسنا ..؟!
وكيف تصدر ردود أفعالنا تجاه جرائم إسرائيل.. وكيف تتلقي
إسرائيل تلك الردود.. وكيف يراها العالم من حولنا ..؟!
للأسف لم نتفق حتي علي الشجب والإدانة والرفض اللفظي.. فبعضنا
أراد الانسحاب من المبادرة العربية للسلام. ووقف المفاوضات غير
المباشرة مع إسرائيل رداً علي مجازرها.. بينما يرفض آخرون هذا
الانسحاب.. وهكذا تعمقت خلافاتنا أكثر وأكثر. ووجدتها إسرائيل
فرصة لكي ترتكب مزيداً من الجرائم.. في غيبة الردع من جانبنا
وانعدام المحاسبة من جانب المجتمع الدولي. وفي ظل مباركة
أمريكا ورضاها بما تصنع.. ودائما ما تأتي ردود أفعالنا باهتة
متخاذلة مختلفة.. فكيف تقيم لها إسرائيل وزناً؟!
نسينا أو تناسينا أن إسرائيل وأمريكا كيان واحد. ولم يكذب
الرئيس الأمريكي السابق حين اعتبر إسرائيل الولاية الثالثة
والخمسين لأمريكا.. فلماذا يقف بعضنا مشدوها في بلاهة تجاه ما
يندلع من صراعات وتوترات وتهديدات تضع المنطقة برمتها علي حافة
الخطر.. و كأنه لا يدري أن وراءها اسرائيل وأمريكا اللتين
تعملان في تناغم وتكامل وانسجام مهما بدا علي السطح غير ذلك..
وهو ما لا نوليه الأهمية اللازمة التي إن تحققت لصار لنا شأن
آخر..
فهل لا نزال نمني النفس بما لا يجيء. ونتعلق بأحبال "دايبة".
ونلقي بمسئولية التغيير علي أكتاف غيرنا. ونحمله ما لا تسمح به
ظروفه وإمكانياته.. ولماذا نهمل مسئولياتنا. ونلتمس البراءة
لأنفسنا مستمرئين شعوراً زائفاً بالرضا. مكتفين بالقعود في
صفوف المتفرجين. متناسين قول الله عز وجل: "إن الله لا يغير ما
بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم .." فهل آن الأوان لنغير من أنفسنا..
ونأخذ بأسباب العلم والتكنولوجيا والقوة. حتي نرتقي ونصبح علي
قدم المساواة مع إسرائيل ..!!
إضاءات
لماذا اختفي الضحك من حياتنا رغم أنها صارت أسهل من ذي قبل..
ولماذا نكاد لا نعثر علي فنان موهوب قادر بفطرته علي نزع
ابتسامتنا وضحكتنا من القلب. كما فعلها فنانو الزمن الجميل..
هؤلاء العمالقة الذين صنعوا لمصر ريادتها في السينما والمسرح
والدراما والأدب والاقتصاد والسياسة والصحافة وجميع مجالات
الحياة.
ورغم كثرة ما كُتب وصُوِّر من أفلام ومسلسلات اجتاحت حياة
هؤلاء النجوم.. فإن ثمة حكايات وأسراراً كثيرة لا تزال غائبة
عنا تماما.. وإذا وجدت من يكشف النقاب عنها فإن النفس تلتذ
لسماعها.. وتأنس لروايتها.. وتستعيد بأصحابها عبق الفن
والإبداع والشموخ.. وهو ما وجدته حين طالعت كتاب "إسماعيل
ياسين.. سيرة درامية" الذي صدر عن سلسلة كتاب الجمهورية للزميل
ماهر زهدي الذي صاغه بلغة درامية بسيطة وموحية أبحرت بنا في
عالم إسماعيل ياسين زعيم مملكة الضحك منذ كان طفلاً ولد
بالإسكندرية وعاش فيها طفولة قاسية. وذاق خلالها مرارة اليتم
والحرمان بين أب لاهي وجَدَّةي فَظّةي غليظة القلب.. وكيف تردد
علي المقاهي ودور السينما والمسرح حتي أجاد فن المونولوج وصار
أحد رواده.. وبني مجداً وشهرة واسعة.. وصعوداً وتألقاً.. ثم
تراجعاً وانزواءً ورحيلاً.. وفي ذلك كله لم تغب روح "إسماعيل"
المنتصرة المحبة للحياة. العاشقة للنكتة والمرح. القادرة علي
إضحاكنا وإسعادنا حتي وهي تتألم وتتلظي من قسوة الحياة.
إسماعيل ياسين فنان لا يتكرر رغم أنه لم يكن يتمتع بوسامة
وجمال يجعلانه من نجوم الشباك أو يؤهلانه ليكون فتي الشاشة أو
"دونجوانها".. بل بالعكس كان هو نفسه يسخر من شكله وكبر فمه.
وهو ما جذب إليه الجماهير. فصار المضحك الباكي. الذي جعل الضحك
سهلاً يتسلل إلي قلوب الناس ونفوسهم.. فما إن تراه حتي تسري
البهجة إلي أوصالك. ويعلو الابتسام وجهك.. وذلك هو شأن
العبقرية الفذة والموهبة الأصيلة والفطرة الصادقة.
رحل إسماعيل ياسين منذ سنوات عديدة لكن أعماله التي بلغت 600
فيلم وهو ما يعادل ربع رصيد السينما المصرية ..لاتزال حاضرة
بقوة ومصدر إسعاد للجميع حتي للذين لم يعاصروه من الشباب. ولا
يزال الذين عاصروه ينتظرونها. ويجدون فيها متعة كبيرة في كل
مرة.. وتلك هي سمة الإبداع الحقيقي ..!!
.. تُري لماذا نضبت العبقرية في حياتنا.. فلم نَعُدْ نجد
النائب المعارض الذي يناضل بشرف. ويقدر علي نزع إعجاب معارضيه
قبل مؤيديه.. ولا يلهث وراء الوزراء بحثاً عن تأشيرة هنا أو
شقة هناك.. ولا يصفق عمال علي بطال.. وأين الصحفي الذي يكتب في
سطور قليلة جداً ما يعبر عن معاني كبيرة في سلاسة وجزالة وقوة
دون هوي أو غرض.. أين.. وأين الأديب والمحامي وعالم الاجتماع
واللغة. والطبيب المرموق..؟!
لابد أن نبحث لماذا انطفأت مثل تلك الشموع وانسحب ضوءها من
حياتنا.. حتي مَنْ بقي منهم لا يتجاوزون أصابع اليدين.. أطال
الله أعمارهم.
|