|
حصتنا من المياه محسومة.. والخطر
الحقيقي في سوء الاستخدام..!!
20 من مايو
2010 م
* لا غرابة أن تستحوذ قضية مياه النيل علي اهتمام الناس في مصر.
فرجل الشارع يشعر بأن الحكومة خسرت تلك القضية. ولم تستطع حتي
الحفاظ علي حقوقنا الحقيقية. وهو ما خلق قلقا مشروعًا علي
الحاضر والمستقبل.. ومصدر هذا القلق- في رأيي- هو الفجوة
الموجودة بين المواطن والحكومة. وهي فجوة تسببت كثيرًا في حدوث
بلبلة وسوء ظن في الحكومة. حتي باعدت بينها وبين الناس. وتركت
مساحة هائلة للاجتهاد الخاطئ. والتفسير المغلوط للأحداث
والمواقف.
* الحكومة ممثلة في رئيسها د.أحمد نظيف واثقة من سلامة موقفها
في مسألة المياه والنزاع مع دول الحوض. ولديها الحق في ذلك
تمامًا. فالقانون الدولي والاتفاقيات السابقة مع تلك الدول
تحفظ لمصر حقوقها ونصيبها من المياه. وهو ما يبدد تلك المخاوف.
ويلفت نظرنا في المقابل إلي عدو آخر يتربص بحصتنا المحسومة من
المياه. وهو الإسراف وسوء الاستخدام وهو ما يضعنا جميعا في
مواجهة تغيير ثقافة الناس وسلوكهم في التعامل مع مسألة بهذه
الخطورة.
* قد يري البعض أن المشكلة الحالية سببها تغيير وزير الري
السابق. أو مجيء الوزير الحالي.. لكن ذلك غير صحيح بالمرة.
فكلاهما أدي دوره نحو بلاده علي خير ما يكون.. ولا تدخر
الحكومة جهدًا في الحفاظ علي حصتنا من المياه. وسوف تدافع عنها
بكل قوة.
هكذا تحدث د.نظيف بصراحته وتلقائيته المعهودة للشعب المصري..
فالمشكلة لم تبدأ مع الحكومة الحالية. بل تجاوز عمرها 11 عامًا
ويزيد. انفضت بين شد وجذب. ونقاشات ومفاوضات مع دول الحوض..
ومن الخطأ النظر إلي خلافاتنا معها من منظور قانوني صرف.
فالمشكلة بين دول المنبع. ودولتي المصب "مصر والسودان". تقف
وراءها دوافع سياسية. ومن ثم فالتعامل معها ينبغي أن ينطلق
أيضا من أرضية ورؤية سياسية واضحة. فالسياسة هي الحاضر الغائب
فيما بدر من خلافات. ولولاها ما فكر زعماء تلك الدول في تجاوز
القوانين والأعراف الدولية. إلي توقيع اتفاق إطاري بمعزل عن
دولتي المصب. وغياب بعض دول المنبع.
* وحسنًا فعلت مصر حين آثرت سبل الدبلوماسية والحلول
والمفاوضات السياسية الممكنة لعبور الأزمة. سواء بالاتصال
المباشر مع قادة تلك الدول أو عبر وساطات دولية. وشرح وجهة
نظرها للعالم الذي يعلم تماما عدالة مطالبنا. ومشروعية حصتنا
من المياه.. ولا تزال مصر ماضية بعزم في هذا الطريق. فالحكومة
لم تفشل . بل إن الأطراف كلها لم تنجح في الوصول لاتفاق يرضي
الجميع. ويحقق العدل بينهم. وليس معقولاً أن تفرض 7 دول
إرادتها علي دولتي المصب. وتطلب تعديل اتفاقيات سارية تمت
بموافقة تلك الدول وبكامل إرادتها. ولا معني للقول إنها وقعت
أثناء الاحتلال. فإذا أرادت تلك الدول تعديل الاتفاقيات فلابد
أن يتم ذلك بالتراضي. وأن تتحقق العدالة وأن يتاح لدولتي المصب
استخدام حق الفيتو. والاعتراض علي ما تريانه في غير صالحهما أو
ينقصهما حقوقهما المشروعة الثابتة بنصوص القانون الدولي.. لكن
التفاوض- في رأيي- ينبغي أن يبدأ فرديًا مع كل دولة علي حدة.
حتي نصل لأوفق الحلول. وأكثرها تحقيقًا لمصالح الجميع.
* أما الموقف القانوني لمصر فهو راسخ ومتين. ويدعم موقفها
السياسي بقوة. وما جري مؤخرًا من اتفاقات بين دول الحوض "الأربع"
غير ملزم لنا- كما يقول رئيس الوزراء- ولا يرتب أي التزام علي
مصر. كما لا يلغي أي اتفاقات سابقة مع تلك الدول. التي لا
يمكنها الذهاب للبنك الدولي أو أي مانح آخر للحصول علي قروض
تقيم بها مشروعات علي النهر من دون موافقة مصر.. والقانون
الدولي يؤكد ذلك تمامًا ويدعم حقوقنا التي لا تفريط فيها ولا
مساومة عليها.
* موقفنا المائي آمن.. وحصتنا من المياه محفوظة ومحسومة.. هكذا
طمأننا دكتور نظيف.. وهو ما ينبغي أن نصدقه فيه. ونأخذه علي
محمل الجد.. لكن يبقي الخطر الحقيقي الذي يغفله كثير منا.
فالأزمة ليست كما يظن البعض مع دول الحوض فحسب. بل لدينا مشكلة
مياه حقيقية بسبب ثقافة الإسراف وسوء الاستخدام وغياب الوعي..
ولأن مصر تقع داخل حزام الصحاري المدارية فهي دولة صحراء
بامتياز. لولا نهر النيل الذي تقف حصتنا من مياهه عند حدود
معينة "5.55 مليار متر مكعب سنويًا" يفترض أن تكفي 81 مليون
نسمة يزيدون في كل عام.. ويُفترض كذلك أن تروي 8 ملايين فدان
والرقم مرشح للزيادة بالطبع.. وهو ما ينبغي أن يصل للناس وحتي
يزداد وعيهم بخطورته.. فكمية المياه ثابتة ومحدودة. يقابلها
زيادة عالية في الاستهلاك.. فهل يعقل أن نتعامل بالطريقة التي
تعامل بها أجدادنا مع المياه قبل خمسين عامًا حين كان تعدادهم
ربع العدد الحالي. وحين كانت الأرض المزروعة نصف المساحة
الحالية أو أقل.. وماذا لو علمنا أن ما نستهلكه من مياه الشرب
وحدها يبلغ نحو 26 مليار متر مكعب سنويًا..؟!
* كان نصيب الفرد من المياه نحو 4400 متر مكعب سنويا في 1907.
وصار اليوم أقل من 800 متر مكعب. وهو ما يعني أن مصر تقع
فعليًا تحت خط الفقر المائي . المقدر عالميًا بنحو 1000 متر
مكعب. وكان طبيعيًا والحال هكذا أن تتنافس الزراعة والإسكان
علي المياه. فما يخصص للبشر يذهب للزراعة. والعكس في بعض
المناطق.. وفي المقابل ثمة دول أشد منا فقرًا.. لكنها استطاعت
بالأساليب العلمية والتقنيات المستحدثة. وترشيدها لاستهلاك
المياه أن تروي وتزرع 3 أمثال ما تزرعه مصر أو ترويه.. فهل
تصلح طريقتنا الحالية في التعامل مع المياه في المستقبل..؟!
* مصر لم تنقطع يومًا عن أفريقيا.. لكن ما حدث أن وجودها كان
سياسيًا قبل نحو 52 عامًا لظروف استعمار تلك الدول ونشوء حركات
تحرر وقفت مصر بجوارها كدولة رائدة في أفريقيا سبقت إلي نيل
استقلالها وحريتها من المستعمر.. وسرعان ما حدث تحول سياسي
بهذه الدول. كان ينبغي أن يستمر حضورنا السياسي هناك.. لكنه
للأسف لم يحدث وإلا ما وصلت تلك الدول لهذه الحال.. هكذا يفسر
د. نظيف أسباب هذا التغير. وهو ما تداركته الحكومة منذ 5 سنوات
حين ضاعفت حجم استثماراتها هناك. حتي أبرمت عقودًا بمليارات
الدولارات من خلال شركة المقاولين العرب. كما ضاعفت مخصصات
صندوق تنمية أفريقيا. ولا تزال مصر تمد أواصر التعاون والتواصل
مع هذه الدول. ولا تزال الوفود والزيارات مستمرة من جانب
وزرائنا ومسئولينا إلي هناك.. ولا يزال الدعم الثقافي موصولا
من خلال مبعوثي الأزهر وغيرهم.. ولا يكف الرئيس مبارك شخصيًا
عن متابعة أوجه التعاون مع أفريقيا. وهو ما ينفي ما يردده
البعض من تراجع دور مصر هناك.
* لكن ذلك يستلزم بالضرورة أن نتبع الجهد بالجهد. وأن نبحث عن
حلول عملية مبتكرة. تستوعب فقر هذه الدول وحاجتها إلي التنمية.
وتدحض ما يدعيه البعض من مزاعم غير مقبولة. و ينبغي ألا نحمل
دائرة الري المصرية وحدها تبعات ومسئولية ما يجري. فالمياه
ليست قضية الحكومة وحدها بل مشكلة مصر كلها. وهي ما يعني ضرورة
توحيد الجهود وتعظيم المساعي الشعبية جنبًا إلي جنب
الدبلوماسية الرسمية. فضلاً عن جهود المجتمع المدني. والتقارب
الثقافي والإعلامي والبرلماني والرياضي ممثلا في اتحاد الكرة
الذي يمكنه أن يلعب دورًا مؤثرًا في هذا السبيل.
* ياسادة.. المسألة ترتبط بمصدر الحياة.. "وجعلنا من الماء كل
شئ حي".. فعلينا أن نسخّر طاقاتنا جميعًا لخلق التواصل المطلوب
مع أطراف تلك الأزمة.. وإدارة حوار هادف جاد للتأثير علي
حكومات تلك الدول. حتي تغير مواقفها وتتوقف عما تنتوي الإقدام
عليه للإضرار بمصالحنا ومستقبل أجيالنا القادمة.. وهو ما لا
يصح التفريط أو التهاون معه.
رئيس الوزراء.. والاعتصامات ..!!
* اعتصامات.. إضرابات.. احتجاجات.. مشاهد باتت متكررة في
الآونة الأخيرة.. ويكاد لا يمر يوم من دون أن نري عمالاً
بشركات مختلفة أو موظفين أو مواطنين يفترشون أرصفة شارع مجلس
الشعب أو مجلس الوزراء.
واختلفت الآراء وردود الأفعال تجاه تلك الظاهرة.. فالبعض يراها
وسيلة مشروعة للتعبير عن الشكوي والمظالم.. والبعض يراها
ابتزازًا للحكومة للحصول علي مكاسب.. بينما يتندر عليها البعض
الآخر.. حتي أن ولي أمر إحدي التلميذات لم تفلح محاولاته في
إلحاق إحدي بناته بالمرحلة الأولي الابتدائية فجمع أطفاله
واعتصموا بالمشانق في مشهد يضحك ويبكي معًا.. ووصل المشهد إلي
ذروته حتي خلع بعض المتظاهرين ملابسهم واستخدموا أشكالاً
مختلفة لجذب الانتباه إليهم بعد أن فقدوا الأمل في أن يستمع
إلي شكواهم أحد من البرلمان أو الحكومة.. والسؤال كيف ينظر
رئيس الحكومة إلي ظاهرة الاحتجاجات..؟!
ربما تمثل الإجابة مفاجأة.. فحين رأي البعض وقف مثل هذه
الظاهرة.. تساءل د.نظيف ولماذا تريدون وقفها.. اتركوهم ليعبروا
عن آرائهم. طالما يسلكون طرقا قانونية سلمية. ولا تمثل أعمالهم
تهديدًا للسلم والأمن الاجتماعي. ولا تعرِّض الأفراد والمنشآت
للخطر.. إلا إذا تعارضت مع القانون وبلغت حد الإضرار بالصالح
العام.. هنا فقط يتم التدخل ومنعها والأخذ علي أيدي المخربين
والخارجين علي القانون.. كما حدث مع مَنْ أراد قطع الطريق
الدائري وتعطيل مصالح الناس .
هكذا يكشف د.نظيف عن رؤية واسعة . وحس سياسي عميق علي غير ما
يصوره البعض. حين يخرج تصريحاته عن سياقها ومقاصدها.
لم يكتف د.نظيف بالتسامح إزاء تلك الظاهرة واعتبارها وسيلة
مشروعة للتعبير عن مطالب مستحقة وشكاوي ومواجع للناس.. بل طالب
الوزراء بالنزول للجماهير. والإصغاء للمحتجين أصحاب تلك
المظالم.
* قال رئيس الوزراء ردًا علي من يطالب بوقف هذه الاحتجاجات:
ولماذا نوقف هذه الاعتصامات طالما أنها مشروعة وتعبر عن حقوق
حقيقية لأصحابها.. وثمة مظاهرات سلمية تجري في العالم كله
وفقًا لدستور كل دولة.. ومعظم هذه الاحتجاجات تعبر في جوهرها
عن مظالم حقيقية لا مطالب سياسية. ومعظمها ناتج عن تبعات
الخصخصة وسلبياتها.. وتلك الرؤية تنم عن بعد سياسي عميق في فكر
الدكتور نظيف نتمني أن ينتقل إلي وزرائه.
* أتصور أن د.نظيف بذلك المنطق يعطي مفهومًا جديدًا لما ينبغي
أن تكون عليه الحكومة. وينقلها نقلة نوعية جديدة تستحق منا أن
نشجعه عليها. ونطلب من وزرائه ضرورة التكاتف وراء تلك الرؤية..
ربما أفلحت في ردم الهوة التي تفصلهم عن الجماهير والفجوة التي
تضع الحكومة دائمًا موضع الاتهام والتشكيك كلما وقعت أزمة. أو
حلت كارثة.
* وهو ما يقودنا إلي سؤال مهم: لماذا وصلت تلك الاحتجاجات إلي
رصيف مجلس الوزراء.. ولماذا أوحي تعامل الحكومة معها بانطباع
سلبي عن أدائها السياسي. رغم ما تبذله من جهود ملموسة؟!
* وأجابنا د.نظيف: أتفق معكم في ذلك تمامًا.. ولهذا طلبت من
الوزراء في اجتماع مجلسنا الأخير أن يتحركوا وينزلوا إلي الناس
للتعامل مع مشاكلهم علي أرض الواقع. حتي يتسني إيجاد الحلول
المقبولة لها.. فمن غير المستساغ أن نترك المحتجين يفترشون
أرصفة الشارع دون النظر في مطالبهم.. وأنا بدوري أتابع عن كثب
ما يحدث يوما بيوم. وحتي تتحقق المسئولية السياسية للحكومة عما
يجري هنا وهناك.
ولا شك أن قانون الإفلاس المزمع عرضه علي البرلمان في دورته
المقبلة سوف يسهم في حل مشكلات الشركات المتعثرة. والتي تسبب
تعثرها في بروز ظاهرة الاحتجاجات والإضرابات. وخرج معظمها إلي
الشارع.. وسوف يحمي هذا القانون- حال تطبيقه- حقوق العمال.
وينظم علاقتهم بتلك الشركات المتعثرة.
* أتصور أن هناك غيابا "حقيقيا" من نواب البرلمان ومن الوزراء
والمسئولين بالحكومة عن الناس. وهو ما خلق فجوة بينهم وبين
المواطنين.. وإلا ما وصلت تلك المظاهرات لهذا المكان أو ذاك..
وهو ما يدعونا للقول إن الوزير أو المسئول. ومن يتصدي لقضايا
الجماهير ينبغي أن يكون ذا حس ورؤية سياسية. وإلمام بواقع
الناس ومشاكلهم وهمومهم ومتاعبهم.. فليس معقولاً- مثلاً- في
مثل تلك الظروف أن يتقدم نقيب المحامين أو أحد أعضاء مجلس
النقابة بمشروع قانون لتعديل بعض مواد قانون المحاماة لغرض في
نفس يعقوب. دون اعتبار لرأي جموع المحامين ورفضهم لمثل هذا
التعديل.. ولولا الحنكة السياسية للدكتور فتحي سرور رئيس مجلس
الشعب ود.آمال عثمان ود.زكريا عزمي. لتفاقمت مشكلة المحامين..
وأحسب أن ما صرح به نقيب المحامين أمس بسحب المشروع . وعدم
عرضه علي الدورة الحالية لمجلس الشعب خطوة مهمة لحين تحقيق
الإجماع المطلوب من المحامين علي هذا التعديل. فالقانون يخصهم
أولاً. وهم المخاطبون بأحكامه قبل غيرهم.
|