|
مائة يوم .. وقضيتنا تزداد تعقيداً !!
7
من
مايو 2009م
** رؤساء
أمريكا دائماً محط أنظار الدنيا كلها. لأن أمريكا هي القطب
الأوحد الذي يقود العالم.. لكن الرئيس أوباما استأثر باهتمام
شعبي ودولي فاق كل من سبقوه. ربما لأنه ذو بشرة سمراء وجذور
أفريقية. وربما لبساطة شخصيته وحضوره الهائل. وإصراره علي
التغيير في أمريكا والعالم. وربما لأنه تولي دفة الأمور في
ظروف دولية بالغة الصعوبة. من أزمة مالية خانقة تدفع بالعالم
كله إلي شفا حفرة من الإفلاس والكساد والبطالة وتعريض السلم
الاجتماعي للخطر وأمراض فتاكة تكاد تصل لحد الوباء. كأنفلونزا
الخنازير التي أشاعت الرعب والفزع بين سكان العالم وخاصة في
الأمريكتين.
** لم يكن طريق أوباما مفروشاً بالورد. بل استهل الرجل حكمه
بملفات متخمة بالأزمات والكوارث المعقدة ورثها عن سلفه جورج
بوش. وربما كانت أهم أسباب صعوده إلي سدة الحكم في البيت
الأبيض. أملاً في الخلاص. ورغبة في التغيير. ومن هنا يثور
السؤال: هل تكفي المائة يوم الأولي لنحكم علي أداء الرئيس
الأمريكي أوباما.. وهل وفَّي الرجل بما وعد به ناخبيه وشعوب
العالم كله؟!.. لا أحد ينكر أن إيجابيات المائة الأولي لحكم
أوباما كثيرة ومتعددة.. فقد أتي بمبادرات جديدة تكرس للتغيير
المنشود.. وتعيد التوازن المفقود.. ولا يزال يجتهد في تنفيذ ما
وعد به في برنامجه الانتخابي.. لكن وأظنكم تشاركونني الرأي
أغلب ما وعد به لا يزال أماني وأقوالاً مرسلة. وليست أفعالاً
منجزة. رغم أن هناك رقابة شبه دائمة للرئيس الأمريكي أي رئيس
رقابة برلمانية يمارسها الكونجرس ورقابة شعبية يمارسها المواطن
الأمريكي وشتي آليات المجتمع المدني وجماعات المصالح. تشكل في
مجموعها آلية صارمة في متابعة ما تحقق من الوعود التي قطعها
علي نفسه في برنامجه الانتخابي.. وهو ما تجسده بوضوح استطلاعات
الرأي هناك. والتي أكد آخرها فور إتمام الرئيس المائة يوم
الأولي في السلطة. أن الشعب الأمريكي بات مقتنعاً وواثقاً
بجدوي سياساته. وتري الأغلبية أنه يؤدي مهامه بصورة جيدة.. لكن
هل تكفي استطلاعات الرأي الأمريكية وحدها للحكم علي نجاح
الرئيس أوباما.. وإذا جاز ذلك في الشئون الداخلية فهل يكفي
للحكم علي سياساته الخارجية وعلاقاته الدولية. ربما تتضح
الصورة أكثر في المائة يوم الثانية أو الثالثة من عهده.
** لا شك أن أهم إنجازات أوباما في رأيي قراره الشجاع بإغلاق
معتقل جونتانامو ونشر تقارير تعذيب المعتقلين في السجون
الأمريكية. وحظر أساليب الاستجواب المثيرة للجدل. وتأكيده في
خطاب التتويج الرئاسي علي احترام الإسلام وإطلاق إشارات
إيجابية تدعو لفتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي. وإقامة
علاقات تنهض علي الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
واعتماده دبلوماسية جديدة أساسها الحوار والنقاش وليس التهديد
والوعيد والحرب كما فعل سلفه الرعديد.
** وإذا كانت الأزمة الاقتصادية قد هيمنت علي عقل أوباما في
الأيام المائة الأولي من حكمه وشغلت حيزاً كبيراً من اهتمام
مساعديه ومستشاريه. فهذا أمر متوقع. فمن غير حل مشاكله
الداخلية لن يحوز ثقة الشعب الأمريكي لفترة رئاسية ثانية. ومن
ثم فهو يصر علي النجاح في مهمته الصعبة. خصوصاً بعد نيله
موافقة الكونجرس علي أكبر خطة تحفيز اقتصادية في تاريخ أمريكا
بلغت نحو 787 مليار دولار لإنجاز جملة من وعوده الانتخابية.
وأظن أن أوباما سينجح خلال ولايته الأولي في إنقاذ الاقتصاد
الأمريكي من عثرته.. أما ما يهمنا نحن كعرب فهو القضية
الفلسطينية التي أشك كثيراً أن ينجح أوباما في حلها خلال
ولايته الأولي. وربما ولايته الثانية أيضاً إذا ظفر بها.
لأسباب كثيرة يتعلق بعضها بالنهج الثابت والراسخ الذي يتمسك به
كل رؤساء أمريكا السابقين واللاحقين لأكثر من 60 عاماً ولن
يختلف أوباما عنهم. بل تزداد مهمته صعوبة إذ يواجه كبري
العقبات بعودة بنيامين نتنياهو علي رأس الحكومة الإسرائيلية
ومعه عصابة اليمين المتطرف التي لا تقر ولا تعترف بأي حق للشعب
الفلسطيني. بل تريد القذف به في حمم الجحيم.. وتشترط مقدماً
اعتراف الفلسطينيين والعرب بإسرائيل كدولة يهودية.. ثم أضافوا
بكل بجاحة شرطاً آخر وهو وقف البرنامج النووي الإيراني لكي
يواصلوا مسيرة السلام.. في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل
عدوانها الوحشي علي الشعب الفلسطيني ببناء المستوطنات وهدم
منازل الفلسطينيين في القدس وكل المناطق والمدن المحتلة..
** والسؤال: كيف ننتظر سلاماً في ظل هذه الأوضاع المعكوسة.
وتعثر مفاوضات المصالحة بين الفصائل الفلسطينية. وهو ما تتخذه
إسرائيل ذريعة لإفشال أي مفاوضات محتملة للسلام يقودها أوباما؟!..
هذا هو الواقع الذي نعيشه ويدفعنا إلي ضرورة ألا ننتظر أي
نتيجة إيجابية من أي رئيس أمريكي.. وألا نفرط في التفاؤل تجاه
عهد أوباما وقدرته علي فتح الملف الفلسطيني وإعادة الحقوق
لأصحابها.. فكيف يعلن أوباما التزامه كأي رئيس أمريكي بحماية
أمن وسلامة إسرائيل.. ويؤكد في الوقت ذاته تعاطفه مع
الفلسطينيين.. أقول إذا كانت أمريكا صادقة فعلاً في نواياها
فعليها أن تؤكد التزامها بإعادة الحق المغتصب للفلسطينيين..
والسؤال الأهم: كيف ننتظر حلاً لقضايانا بيد غيرنا خصوصاً في
غياب راع نزيه لعملية السلام.. ثم وهذا هو الأخطر أن نبقي كعرب
في حالة انقسام وصراع دائمة؟!..
** في كل الأحوال.. مازلنا كعرب ننتظر أن يثبت أوباما أن
التغيير الذي رفع لواءه سيشمل أيضاً السياسة الأمريكية في
الشرق الأوسط.. فبدون حل القضية الفلسطينية ستبقي المنطقة
ملتهبة والعالم أجمع لا سيما أن سياسات أمريكا علي مدار
التاريخ نحو هذا الملف بالذات خلقت عداءات كثيرة وأساءت إلي
سمعة أمريكا نفسها فهي دائماً تكيل بمكيالين!
** ويبقي أن نؤكد أخيراً.. إن المائة يوم الأولي من عهد أوباما
ليست كافية لتقييم سياسات ورؤي وتوجهات الرئيس الجديد.. ولا
حتي المائة يوم الثانية ولا الثالثة وهو ما يستلزم الانتظار
وترقب ما سيحدث خلال مدة ولايته المتبقية.. ويحسب لأوباما في
المائة الأولي أن العالم استعاد شعوره بالهدوء والاستقرار رغم
تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. وأخيراً أنفلونزا
الخنازير التي لا يعلم عواقبها إلا الله.
|