|
الفقر ومفارقاته.. !!
22 من
أبريل 2010 م
* "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".. هكذا تمني الخليفة عمر بن
الخطاب أن يتجسد الفقر في هيئة بشر ليخلِّص الناس جميعاً من
شروره وآثامه ومخاطره.. وهو تصوير ينطوي علي حكمة بليغة وإدراك
عميق لما يحدثه الفقر في أصحابه من تراجع وضعف في البدن
والمعتقد والعقل والإنتاج. ناهيك عن غياب القدرة علي الإبداع
ومواكبة التطور.. وهو ما يقودنا إلي السؤال: هل الفقر ناتج عن
غياب التنمية أم أنه يعوق حدوث التنمية من الأساس.. وهل يؤثر
الفقر حقاً علي منظومة القيم الاجتماعية والسياسية. وإقبال
الناس علي المعرفة والمشاركة السياسية. والثقة في المؤسسات.
والاهتمام باستثمار أوقات الفراغ..؟!
* أتصور أن الإجابات تأتي كلها بالإيجاب.. وهو ما يحتم البحث
في جذور الفقر وأبعاده ومسبباته وانعكاساته علي الفرد والأسرة
والمجتمع.. وذلك ما تناوله تقرير جرئ صدر عن مركز معلومات ودعم
اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بعنوان "أوضاع الفقراء في مصر".
* يحوي التقرير كثيراً من الأرقام والإحصاءات والمؤشرات التي
تكشف عن جوانب عديدة للفقر في مصر؛ وهو ما دعاني للنظر فيه.
وفي مصادر أخري؛ كتقارير البنك الدولي. وإحصاءات الجهاز
المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتقرير إحدي الوكالات
الاقتصادية العالمية؛ لتكتمل الرؤية من جميع جوانبها.. وقد
وجدت اتفاقاً بينها في نواحي. واختلافاً يبلغ حد التضارب في
جوانب أخري.. لكنها في النهاية ترسم صورة تقترب كثيراً من
واقعنا.. وإن لم تُجب - بدرجة كافية - عن جميع الأسئلة
المطروحة في هذا الصدد.
* بدايةً.. لا تنفي الحكومة وجود "فقر" في مصر.. وكما ينبغي
ألا نحملها وحدها مسئولية الفقر وتداعياته.. فإنها ينبغي ألا
تنفض يدها من تبعاته وآثاره حتي تجتثه من جذوره. وتخلصنا من
موبقاته.. وهو ما يضعنا مجدداً في مواجهة السؤال الأهم : كيف
نعالج الفقر..؟!
* تختلف مفاهيم الفقر. وتتعدد مستوياته من مجتمع لآخر. بل من
طبقة لأخري داخل المجتمع الواحد.إذ أن قلة الدخل النقدي. وعجزه
عن الوفاء بالحاجات الأساسية للفرد والأسرة من مأكل وملبس
ومأوي ".. هو المفهوم التقليدي للفقر الذي تطور إلي مفهوم آخر
أكثر اتساعاً. وهو "الحرمان من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية والثقافية".. فالفقر السياسي - مثلاً - يعني الحرمان
من مباشرة الحقوق السياسية. والمشاركة في الحياة العامة..
بينما يعني الفقر الثقافي "الحرمان من مصادر المعرفة "الصحف.
المجلات. الكتب وغيرها" وعدم القدرة علي القراءة والكتابة "الأمية".."..
أما الفقر الاجتماعي فهو " الحرمان من حق العمل واكتساب قدرات
مهارية تمكن المواطن من ممارسة هذا الحق".
*.. هكذا تطورت مفاهيم الفقر. واتسعت رقعته حتي صار مشكلة
معقدة بدرجة تجعل مواجهتها معركة صعبة. لا يكفي للانتصار فيها
ضخ اعتمادات مالية فحسب. بل تحتاج لثقافة أكثر وعياً وقدرة علي
تصويب سلوكياتنا. وفكر أكثر تجدداً. وحلول دينامية غير تقليدية
لمشكلاتنا المزمنة.
* وإذا كنا نؤمن بأن مصر ليست فقيرة - كما تقول د. فايزة أبو
النجا وزيرة التعاون الدولي - بل هي غنية بمواردها وعقول
أبنائها وإرادتهم.. فإن للفقر أسباباً عديدة متشابكة. يُفضي
بعضها إلي بعض؛ وهو ما يجعله" أم المشكلات" التي تعوق التنمية.
وتَخْفِض سقف الطموح في التقدم نحو مجتمع أفضل..
* للفقر تأثير واضح علي الأسرة المصرية. سواء علي أوضاعها
الديموجرافية. أو الحالة التعليمية والصحية والعملية.
والمعيشية لأفرادها.. وله أيضاً أثر بارز علي منظومة القيم
الاجتماعية والسياسية.. ومن ثم كان طبيعياً أن تحتل تلك
المشكلة أولوية أساسية في اهتمامات متخذي القرار في مصر؛ وأن
تبادر أمانة السياسات بالحزب الوطني بتبني برنامج "الاستهداف
الجغرافي" وتوجيه الحكومة لتنمية الألف قرية الأكثر فقراً؛
باعتماد حزمة من المشروعات التنموية لتحسين نوعية حياة الفقراء
في مصر؛ وهو ما يجعل مكافحة الفقر و الحد من آثاره السلبية في
تلك القري تحدياً أكبر في طريق الحكومة.. ورغم أن ذلك مطلوب
ومهم فإن هناك عشوائيات لاتزال قائمة في جوف القاهرة وأطرافها.
لا تقل خطورة. ولا احتياجاً للتنمية عن تلك القائمة في ريف مصر
وأقاليمه المترامية.
* ويلفت التقرير نظرنا إلي حقيقة مهمة. قد تفسر لنا لماذا تهتم
الحكومة بتنمية الريف أولاً؛ فنصف الفقراء "47%" يعملون في
قطاعي الزراعة والصيد. وهو ما جعل إصلاح القطاع الزراعي يحتل
صدارة أجندة الحكومة في مكافحة الفقر. وهو ما وجد طريقه بقوة
إلي أوراق السياسات وقرارات المؤتمر الأخير للحزب الوطني الذي
وجه الحكومة بضرورة تنفيذ حزمة متكاملة من خطط و مشروعات
التنمية لتحسين نوعية الحياة في الريف.
* ينهض مشروع " تنمية الألف قرية" - كما يراه د. علي مصيلحي
وزير التضامن الاجتماعي - علي ثلاثة محاور. يتمثل أولها في مد
مظلة الأمان الاجتماعي لحماية جميع الفئات الضعيفة والمهمشة في
المجتمع. وثانيها : إتاحة الخدمات التي تقدمها الحكومة؛ كالصرف
الصحي. ومياه الشرب. والكهرباء. والطرق. فضلاً علي خدمات الصحة
والتعليم بجودة معقولة.. وأخيراً تحقيق العدالة الاجتماعية في
توزيع فرص العمل بضبط خريطة الاستثمار علي مناطق الفقر؛ حتي
يجني الجميع ثمار التنمية..
* وعلي الرغم مما تبذله الحكومة من جهود لوضع خريطة واقعية
للفقر. وترتيب القري الأكثر احتياجاً ترتيباً تنازلياً. بدءاًً
برفع المستوي الاجتماعي وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات
بالألف قرية الأولي. وصولاً بالرقم إلي 4400 قرية.. فلا يزال
86% - حسبما ورد في تقرير مركز المعلومات - غير راضين عن
الأوضاع الاقتصادية لأسرهم مقارنة ب 7% فقط من الطبقة الغنية.
* وبحسب إحصاءات البنك الدولي فإن نسبة الفقر في مصر - وفقاً
للتعريف العالمي لخط الفقر " 2 دولار يومياً " - تبلغ 18% من
عدد السكان.. وهي نسبة أقل كثيراً من مثيلاتها في دول أخري.
كالهند التي تبلغ نسبة الفقر فيها نحو "75%". وباكستان "60%".
والصين "26.3%".. لكن ذلك لا يمنع أن هناك 48.5% " أي نصف
الأسر المصرية تقريباً" يرون أن دخولهم لا تكفي احتياجاتهم
الشهرية. كما ورد في تقرير مركز المعلومات.. وهو ما يجعلنا في
حيرة من أمر الفقر والفقراء في مصر. فكيف يحدد البنك الدولي
نسبة الفقر ب 18%.. بينما يشكو نصف الأسر المصرية من قلة الدخل
وعجزه عن الوفاء بضروريات حياتهم..؟!
* الاستهلاك السنوي للأسر المصرية - بحسب تقرير الجهاز المركزي
للتعبئة العامة والإحصاء - يبلغ نحو 17 ألف جنيه "أي بمعدل
1400 جنيه شهرياً". ويتراجع هذا المتوسط إلي 11 ألف جنيه " أقل
من ألف جنيه شهرياً " لدي أقل من 20% من السكان. ويزيد متوسط
الاستهلاك إلي 24 ألفاً بين أعلي 20% إنفاقاً بين السكان..!!
وإذا صحت تلك الأرقام فإنها تعني سوء توزيع للثروة بين أكثر
الأسرالمصرية التي تعجز عن إشباع احتياجاتها الأساسية؛ فإذا
علمنا أن 44% من إنفاق تلك الأسر - وفقاً لإحصاءات الجهاز نفسه
- توجه للطعام والشراب فقط. فإن ذلك مؤشر لا يخطئ علي ارتفاع
أسعار الغذاء في مصر قياساً بدخول تلك الأسر التي لا يتبقي لها
إلا القليل الذي يوجه لاحتياجات لا تقل أهمية عن الغذاء؛
كالتعليم والصحة والمواصلات.
* هذا الخلل في معادلة الإنفاق يسمي ب " فقر القدرات الأساسية
" الذي يحول دون تمتع أصحابه بحياة صحية مديدة. و بمستوي كافي
من الغذاء والكساء والتعليم.
* وتتعدد معايير قياس الفقر.. لكن أكثرها استخداماً في هذا
النوع من الدراسات ما يسمي ب " الفقر النقدي " الذي يقيس مدي
توفر الموارد الكافية لتلبية الحاجات الأساسية للفرد والأسرة.
أي قياس دخل الفرد بحد معين. يتم تعريفه مسبقاً. فإذا وقع
الفرد أو الأسرة تحت هذا الحد. أو إذا كان مستوي دخله أو
استهلاكه أقل من الحد الأدني اللازم لإشباع احتياجاته الضرورية
فهو فقير.. فإذا كان 48.5% من الأسر المصرية يرون أن دخولهم لا
تكفي احتياجاتهم الشهرية " في يناير 2010" - كما ورد في تقرير
مركز المعلومات - فإن ذلك معناه "وحسب تعريف الفقر الذي سلف
ذكره" أن أقل من نصف الأسر المصرية بقليل يقبع تحت الفقر.. !!
* وهكذا نجد أنفسنا أمام عدد من الالتباسات وتناقض الأرقام ما
بين مركز المعلومات والبنك الدولي وجهاز التعبئة العامة
والإحصاء وإحدي الوكالات الاقتصادية العالمية؛ فالبنك يري أن
18.4% من المصريين يقعون تحت خط الفقر العالمي. بينما يقرر
مركز المعلومات وجهاز الإحصاء أن 48.5% من الأسر المصرية تقع
تحت خط الفقر. إذا ما اعتمدنا تعريفهما للفقر بأنه عجز الدخل
عن الوفاء بالحاجات الأساسية للأسرة.. بينما سجل مؤشر الفقر في
مصر - كما جاء في تقرير إحدي الوكالات الاقتصادية العالمية -
ارتفاعاً يصل إلي 21.6% هذا العام زيادةً عن معدله في الشهر
نفسه من العام الماضي والذي بلغ 20.94%. ويقيس هذا المؤشر معدل
الفقر بتردي الوضع الاجتماعي وارتفاع معدل البطالة والتضخم..
وذهب تقرير الوكالة المتخصصة إلي أن مصر تقع ضمن أكثر 60 دولة
فقراً في العالم.. وهو ما يجعل من الفقر مشكلة معلوماتية في
الأساس؛ إذ يضاعف فقر المعلومات مشكلة " الفقر المادي "
ويزيدها صعوبة. ويجعلها معركة طويلة الأمد.. لكن لا خلاف علي
أن الفقر هو أم المشكلات جميعاً.
* ولا يخلو تقرير مركز المعلومات من مفارقات.. فإذا كانت
الزيادة السكانية المتهم الأول بإعاقة التنمية بالتهام ثمارها
وحصادها أولاً بأول.. فكيف نفسر أن الأسر الفقيرة هي الأكثر
ميلاً للإنجاب وزيادة عدد أفرادها.. وكيف تتزوج فتيات تلك
الأسر مبكراً بنحو 5 سنوات مقارنة بنظيراتهن من الأسر الغنية..
وكيف تنجب السيدات في الأسر الفقيرة أكثر من سيدات الأسر
الغنية..؟!
* وكما يؤثر الفقر علي الحالة الديموجرافية للأسر المصرية فإنه
يؤثر أيضاً علي الحالة التعليمية والصحية لتلك الأسر. فيقل
مستوي التعليم وتزداد الأمية والمتاعب الصحية بين الأسر
الفقيرة علي عكس ما يحدث في الأسر الغنية.. وهو ما يعني أن
الفقر سبب رئيسي لكل مشاكلنا المزمنة؛ كالمشكلة السكانية التي
تلتهم النصيب الأكبر من منجزات التنمية. وتبدد ما تبذله
الحكومة من جهود ملموسة للحد من معدلات الفقر. وتقلل من آثار
الإنجازات التي تتحقق في مجالات عديدة.. وتتسبب في ضعف التعليم
وانخفاض مستوي المعيشة. وعدم اكتمال الديمقراطية. والإصلاح
السياسي والاجتماعي.. فإذا ما تراجع الفقر تقدمنا خطوات كبيرة
علي طريق التنمية والإصلاح بمعناهما الأشمل..
* إن أخطر ما نواجهه هو وجود الفقر في المناطق العشوائية. إذ
يمثل قنبلة موقوتة و تهديداً مباشراً للسلام الاجتماعي. ينبغي
التصدي له بحلول غير تقليدية. وبمزيد من مشروعات التنمية وضخ
الاستثمار في البنية الأساسية. جنباً إلي جنب تحسين مستوي
معيشة الريف. والتوسع في مشروعات الأسر المنتجة والمشروعات
الصغيرة والمتوسطة. والانتقال بتلك الأسر من مرحلة "الحماية"
إلي " التمكين " وهو ما يحتاج ليس فقط إلي الوفاء ببرنامج
الرئيس مبارك الانتخابي الذي يجري تنفيذه بصورة مُرْضية فحسب.
بل إلي برنامج قاسي ينتهج التقشف والحد من الإسراف والبذخ
الحكومي. ويقلل الفوارق بين الدخول. ويتبني سياسة ضريبية عادلة
ولو بفرض ضريبة تصاعدية علي ذوي الدخول الأكبر. ومحاربة التهرب
الضريبي. والتمسك بمبدأ العدالة في توزيع الثروة وثمار التنمية
وصولاً للطبقات المهمشة. وتشجيع سياسات التعاونيات والإنتاج
المشترك. وتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في مشروعات البنية
الأساسية بالمدن والقري.
* ويبقي في النهاية أننا لا نعاني فقراً في الفكر. بل لدينا
عقول مبدعة وموارد بشرية هائلة. تحتاج فقط لإعادة اكتشافها
وتوظيف قدراتها وتوجيهها الوجهة السليمة... فكيف نفسر هذا
الفقر في ظل الإنفاق والإسراف المتزايد علي ما ليس ضرورياً في
حياتنا؛ كالرغي في التليفونات "40 مليار جنيه سنوياً". وضياع
أكثر من 30 ملياراً ننفثها مع دخان السجائر. و 22 ملياراً علي
سموم المخدرات.. وكيف نتهم الحكومة بالتقصير ومجتمعنا لا يزال
علي هذه الحال وذلك التناقض.. ليس عيباً أن نعترف بالفقر لكن
العيب أن نبقي علي هذه السلوكيات.. فهل نعيب زماننا والعيب
فينا..؟!
|