|
هل يكون البرلمان القادم.. بداية
التغيير..؟!
4 من
مارس 2010 م
* الحديث عن التغيير صار "موضة" هذه الأيام.. لكن هل يكفي حديث
" النخب " عن تغيير بعض بنود الدستور مدخلاً لتغيير جذري
وحقيقي يهيئ المسرح السياسي لاستيعاب مزيد من اللاعبين.. وهل
يكفي "تغيير" كهذا لإحداث نقلة في وعي الناخبين الذين سيُحتكم
إليهم في الانتخابات الوشيكة "انتخابات التجديد النصفي لمجلس
الشوري. وانتخابات مجلس الشعب. ثم الانتخابات الرئاسية"..؟!
وهل سيكون مثل هذا التغيير - إن حدث - بوابة العبور للبرلمان
أو حتي للرئاسة..؟!
* هذا التغييرالسياسي" النخبوي" - وبغض النظر عن مدي اتفاقنا
أو اختلافنا معه - تجاهل أهم مقومات التغيير الحقيقي. فالبداية
الحقيقية - في رأيي - لابد أن تنطلق من تغيير ثقافة وتعليم
ووعي المواطن أو الناخب. ثم يأتي - كنتيجة طبيعية لذلك - حسن
اختيار نواب البرلمان. الذين يمثلون الأمة ويمارسون واجبهم
نيابة عنها في الرقابة والتشريع. وهما أخطر الأدوار التي تمهد
المسرح العام لتغيير حقيقي يحصن المجتمع كله من مطامع وأهواء
واندفاعات.. واستغلال وفساد البعض.
* أما لماذا ينبغي للتغيير أن يبدأ بحسن اختيار أعضاء البرلمان..
فلأن البرلمان الجيد - في رأيي - سوف ينتج تشريعات ملائمة.
تلبي احتياجات المواطنين. وتصون المصالح العليا للبلاد. وتواكب
مستجدات العصر ومتغيراته» لتدفع بحركة المجتمع كله نحو التفاعل
والإنتاج. والتقدم والرخاء.. شريطة أن يشارك في إعدادها نواب
علي دراية وعلم ووعي وحس وطني ورغبة حقيقية في تقدم هذا الوطن.
* البرلمان الجيد سوف يمارس أيضاً رقابة موضوعية صادقة وشفافة
علي أداء الحكومة» لا يعارضها لمجرد المعارضة. ولا للضغط
والابتزاز.. بل يشجعها إذا ما نجحت في تحقيق المطلوب منها.
ويسائلها أو يسحب الثقة منها إذا ما تراخت أو تقاعست أو ضلت
سواء السبيل.
* البرلمان الجيد هو النبض الحقيقي للشارع. يعكس طموحاته.
ويجسد أفراحه وأتراحه. ويعيد إلي النسيج الوطني لُحمته
وانسجامه وتماسكه.. بما يقرره من قوانين وتعديلات تعلي قيم
المواطنة. والتنوير. وتكرس الثقافة المدنية واحترام الدستور
وسيادة القانون..
* البرلمان الجيد هو تطبيق أمين للقانون. وفصل تام بين السلطات.
وسهر دائم علي مقتضيات الأمن القومي. ورعاية مخلصة لمصالح
الناس في الداخل والخارج لاسيما السواد الأعظم وليس لفئة دون
غيرها.. وهو حرص دءوب علي إصلاح منظومة الصحة والتعليم والبحث
العلمي» وصولاً لمجتمع متعلم مستنير عَفي قادر علي الفرز
والاختيار الرشيد لمن يمثله ويصون مصالحه.. وليس مجتمعاً أمياً
قد يغري المال بعض أفراده فيبيعون أصواتهم لمن يدفع أكثر.. وقد
تضللهم شعارات زائفة. يرفعها بعض المرشحين في وجه منافسيهم
فينخدع الناس بها.. وقد تدفعهم صعوبة المعيشة لاختيار "الخصوم"
نكايةً في الحكومة أو مرشحي الحزب الوطني.
* مارَس مجلس الشعب أدواره في دورات سابقة بشكل أو بآخر.. لكن
أداءه لم يشبع طموحات الناس.. ولم ينل استحسانهم.. إذ شابه بعض
السوء حتي وجدنا إسفافاً في سلوك بعض النواب.. وشاهدنا تحت
قبته أفعالاً يندي لها الجبين.. وارتكب البعض بسيف حصانته
تجاوزات ومخالفات خيبت آمال الجماهير. وهزت صورة البرلمان في
عيونهم ووجدانهم حتي نزل البرلمان من عليائه إلي درك من السباب
والشتائم لم نشهد لهما نظيراً من قبل.. ناهيك عمن قفزوا فوق
القوانين. وتجاوزوا الأعراف. وخانوا الأمانة.. فسمعنا عن نواب
القروض. والأراضي. والكيف والتأشيرات. والعاهرات. والبلطجة.
والقمار. وأخيراً نواب العلاج.. إلخ !!
* ربما كانت تلك النماذج قلة لا يقاس عليها.. لكنهم - علي
قلتهم - أثَّروا من دون شك علي الصورة العامة في أذهان
المواطنين» فكيف يخرق القوانين. ويخرج عليها من هو منوط به
سَنُّها ومراقبة تطبيقها وامتثال الجميع لسلطانها.. وكيف يكون
حراس القانون هم أول المنقلبين عليه والخارجين علي أحكامه..
أليست تلك دعوة صريحة لغيرهم من المواطنين لمخالفته والوقوع
فيه.. وكيف بالله عليكم يستقيم الظل والعود أعوج..؟!
* انتخابات مجلسي الشعب والشوري. والانتخابات الرئاسية هي
الأخطر في الفترة القادمة.. ومن ثم فقد حرص الرئيس مبارك في
لقائه بالأمين العام للحزب الوطني صفوت الشريف علي توجيه رسائل
حاسمة.. ونبَّه إلي ضرورة الالتزام بضوابط صارمة يسترشد بها
أمناء الحزب في كل محافظة علي أرض مصر. عند اختيار المرشحين في
الانتخابات المقبلة.
وهي مواصفات كثيراً ما حرص الرئيس علي توافرها في مرشحي الحزب
في أي انتخابات سابقة. لكن حرصه هذه المرة كان أشد.. إذ طالب
باختيار ذوي السيرة الحسنة القائمة علي طهارة الضمير. ونظافة
اليد. ورجاحة العقل. والتواجد الإيجابي المثمر بين صفوف
الجماهير. والتعبير الصادق عن آمالهم وطموحاتهم في مستقبل أفضل.
والقدرة علي حل مشكلاتهم. والتجاوب مع نبضهم من غير تكبر. ولا
تعالي بل بتواضع وحميمية وتفاعل أكثر.
* الانتخابات المقبلة لن تكون سهلة بأي حال» فهي تأتي وسط حراك
سياسي كبير. ومن ثم فسوف تشهد منافسة شديدة ..ولذلك حرص الرئيس
مبارك علي ضرورة التدقيق في اختيار مرشحي الحزب لخوضها.. ولابد
أنه ساءه - كما ساء الأمين العام صفوت الشريف. وساءنا جميعاً -
ما وقع فيه بعض المنتسبين للحزب من تجاوزات وأخطاء. نفخت فيها
المعارضة. وتصيّدتها بعض الصحف وبالغت في تصويرها» حتي بدت
وكأنها عنوان للحزب وأعضائه ونوابه .. وهو ما رد عليه بقوة
أمينه العام صفوت الشريف بأنه لا حماية لفاسد - صغيراً كان أو
كبيراً - حتي لا يتخذها البعض وسيلة للتشويه والتشويش وإهالة
التراب علي إنجازات الحزب وحكومته في الفترة الماضية.
* ثمة تجاوزات لا تنكرها قيادات الحزب» إذ تسلل بعض المنتفعين
بالحزب إلي مقاعد البرلمان. واتخذوا حصانته ستاراً لأعمالهم
الشائنة وخروقاتهم السيئة.. وهو ما لا يرضاه الحزب ولا يغض
الطرف عنه.. بل سارعت قياداته إلي اتخاذ إجراءات متشددة لسد
الطريق أمام هؤلاء الانتهازيين. والأخذ علي أيدي المستغلين
للنفوذ والقافزين فوق القانون. وهو ما صدرت لأجله قرارات حزبية
عليا لتأمين الحزب وتحصينه في وجه محاولات الاختراق التي يقوم
بها مغامرون من هنا وهناك.
* يدرك الرئيس مبارك - بما لديه من حس سياسي ووعي كامل
بالمسئولية بكل تفاصيلها - ضرورة التدقيق في اختيار مرشحي
الحزب الوطني في الانتخابات المقبلة. حتي يشكلوا برلماناً
قادراً علي تلبية مطالب الجماهير. وتحقيق آمالها في مستقبل
أفضل.. برلماناً يضم جميع الأطياف والقوي السياسية من اليمين
إلي اليسار مروراً بالوسط.. برلماناً يمثل العمال والفلاحين
والنخب وجميع تيارات المجتمع وفئاته.
* الامتثال لرغبة الجماهير. وتلبية مطالبها. والتعبير بصدق عن
همومها وشواغلها وأفراحها وأتراحها.. هي السبل المأمونة لنيل
عضوية البرلمان القادم. والفوز بثقة الجماهير.. لكن ذلك لن
يتأتي إلا بالتوعية السليمة. والالتحام بالناس. وانتقاء
المرشحين.. وتلك مقومات لا غني عنها لدفع الجماهير حتي تصبح
مسئولة عن اختيارها. فإذا ما تحقق ذلك فسوف يصعب الاختراق
والتسلل من قبل بعض الانتهازيين وصولاً لقبة البرلمان. وسوف
يمنع ممارسة الغش والخداع والتدليس.. فهل يسارع الحزب الوطني
إلي تدارك ما وقع من أخطاء حتي يثبت جدارته بتحمل الأمانة
واستحقاقه لتمثيل الشعب في البرلمان..؟!
* في مصر الآن حراك سياسي متدفق. يعكس حرية الرأي والتعبير.
ويخلق مجالاً واسعاً للحركة.. وهو ما ينبغي لأحزاب المعارضة أن
تستثمره وتسارع بقوة لمنافسة الحزب الوطني الذي من مصلحته
ومصلحة الحياة السياسية كلها وجود معارضة قوية تدفعه لبذل مزيد
من الجهد لنيل ثقة الجماهير وحصد أصواتها.. أما ضعف المعارضة
فسوف يخلق حالة من التراخي والتقاعس. وسوف يدفع بهواة التسلق.
وحب الظهور إلي المغامرة ليقفوا في صدارة المشهد السياسي. ليس
عن جدارة واستحقاق وقدرة حقيقية علي قيادة الجماهير. ودفعها
إلي الحركة والإنتاج والتحديث والتطور بل لكسب ثمرات عاجلة
والوصول لأغراض معروفة بدعوي الإصلاح والتغيير.
* الحزب الوطني يمتلك الأغلبية.. ما في ذلك شك.. ولديه حرية
وقدرة كبيرة علي الحركة والتأثير.. نعم.. لكن ذلك لن يكفي وحده
لإقناع الناخب ونيل ثقته وصوته في الانتخابات المقبلة.. ومن ثم
فالحزب في حاجة لإعادة حساباته وترتيب صفوفه ليتخلص من "العطن"
و"العطب". وممن يثقلون حركته. ويعطلون مسيرته. ويفتون في عضده
وساعده وهمته.. أولئك الذين يتخذون الحزب "مطية" لأغراضهم
ومصالحهم سواء اتفقت مع مصالح الحزب أو لم تتفق. وسواء استجابت
لحاجات الناس ومطالبهم أو لم تستجب.
* أخطاء بعض من ينتمون للحزب. وتراخي البعض الآخر خلق فراغاً
تحركت فيه تيارات سياسية لمزاحمة "الوطني" في الشارع. واستمالة
جماهيره إلي صفوفها. وانتزاع بعض المواقع منه.. وهو ما ألقي
بتحديات جديدة علي عاتق قادته ومسئوليه.. واستلزم في الوقت
ذاته إعادة النظر مرات ومرات في الأوضاع القائمة. والتدقيق في
اختيار المرشحين لقيادة الفترة المقبلة. بمعايير ترجِّح كفة
الأجدر والأكفأ والأقدر علي حمل الأمانة. والأقرب إلي عقول
الناس ووجدانهم.. حتي تزداد شعبية الحزب. وسيطرته علي مقاليد
الأمور. دون استهتار بأداء المعارضة. أو تقاعس في أداء
الواجبات المنوطة بأعضائه في صفوف الجماهير.. فهل استعد الحزب
الوطني وجميع أحزاب المعارضة لتلك الانتخابات..؟!
إضاءات
كفاءة أطبائنا ليست محل شك عندي.. وأحسب أنها كذلك عند كثيرين
غيري.. فهي لا تقل أبداً عن كفاءة أضرابهم في الخارج.. ولا
أبالغ إذا قلت إنها قد تزيد وتتفوق.. فلدينا أطباء مهرة.
وأساتذة واستشاريون علي أعلي مستوي حققوا بعلمهم وكفاءتهم
نجاحات مشهودة.. وحازوا أحدث ما وصلت إليه المعارف الطبية
والتقنيات الحديثة من أجهزة ومعدات في تخصصات عديدة.. أذكر
منهم الأستاذ الدكتور حسين شاكر الذي أحسبه عالماً كبيراً في
طب العيون. وطبيباً بارعاً لأمراض الشبكية. وخبيراً في طرق
علاجها بالليزر.
لكن ما يحزنني حقاً ألا يؤمن مسئولونا ورجال أعمالنا بقدرات
أطبائنا وكفاءتهم.. وكلما نزل بأحدهم مرض أو "ضائقة صحية" سارع
يلتمس علاجه بالخارج.. ظناً منه أن الأطباء هناك أكثر كفاءة
وأماناً.. ولعل تجربة د. يوسف بطرس غالي مثل قريب لهذا المسلك..
وربما بعد رحلة علاجه الأخيرة وبصرف النظر عما أُثير حولها في
مصر من جدل ولغط - وإن كان من حقه أن يعالج علي نفقة الدولة
مثلما هو حق لكل مواطن -.. ربما تغيرت قناعته. واعترف يوماً ما
بكفاءة أطبائنا وجدارتهم المهنية. لاسيما بعد ما تعرض له من
مغالاة في علاجه.. وربما لأن معالجيه الأمريكان وقعوا في أخطاء
طبية.. وظهروا بمستوي أقل مما كان يأمله فيهم.
والشئ بالشئ يذكر.. فحين كان د.كمال الجنزوري رئيساً لوزراء
مصر وتعرض لمتاعب في عينيه فإنه آثر العلاج في مصر. علي السفر
للخارج. وبالفعل تلقي هنا علاجاً علي أعلي مستوي.. الأمر نفسه
حدث مع الدكتور أسامة الباز. والإمام الراحل الشيخ الشعراوي.
*الثقة في أطبائنا مطلوبة ليس انحيازاً لهم.. بل دعماً
لاقتصادنا. وتوفيراً لنفقات باهظة تضيع بين السفر والإقامة
وتكاليف العلاج في الخارج الذي نجد له نظيراً محلياً ربما
يتفوق عليه.. وفي المقابل لو رشَّدنا تلك النفقات لأمكننا شراء
أجهزة أحدث. وتوفير تدريب أفضل لأطبائنا يعود بالنفع علي مصر
كلها.. وليس علي فئة قادرة علي السفر إلي الخارج دون غيرها.
عندما التقيت نجيب ساويرس وكثيراً ما نلتقي - كعادتنا - بين
الحين والآخر.. نتجاذب أطراف الحديث حول موضوعات شتي.. وجدته -
علي غيرعادته - عزوفاً عن الكلام في الشأن العام. وشعرت بحزن
يكسو صوته ولم أعهده فيه من قبل.. وتساءلت في نفسي: هل السبب
ما أصاب شركاته في الجزائر.. أم ما وقع من نزاعي علي "موبينيل"
من جانب شريكه الأجنبي في مصر.. أم ما يجري لاستثماراته في
أفريقيا أو أي بلاد أخري..؟!
أتمني أن تعود لساويرس ابتسامته.. وأن يخرج من أزماته أقوي مما
كان.. صلباً لا يفتُّ في عضده شئ.. كما عهدناه دائمًًا.
|