|
التأمين الصحي ضروري.. ولكن!!
هل آن الأوان لإصلاح المنظومة الصحية؟!''
18 من فبراير 2010 م
* الرعاية الصحية حق كفله الدستور لكل مواطن.. وجعله واجباً
علي الدولة تجاه مواطنيها.. لكن.. هل يتساوي المواطنون في
حصولهم علي هذا الحق.. وهل تصور أحد منا أن يأتي يوم ترفض فيه
بعض مستشفياتنا استقبال المرضي مهما تكن مبرراتها وذرائعها..
ولماذا ترهلت المنظومة الصحية وتراجعت جودة خدماتها رغم ارتفاع
مخصصات الإنفاق العام عليها.. ولماذا اتسعت رقعة الأمراض
المزمنة والفتاكة بشكل مطرد ينذر بخطر داهم يحيق بنا جميعاً
وبمستقبل أولادنا.. ولماذا يفضل البعض العلاج بالخارج..هل
للوجاهة والفشخرة..أم لعدم ثقتهم في قدرات أطبائنا وإمكانيات
مستشفياتنا.. باختصار: ماذا حدث للمنظومة الصحية في مصر.. وكيف
نعيد إليها توازنها المفقود؟!
* بداية.. لابد أن نعترف بمفارقة أو تناقض ظاهر بين ما يمثله
قطاع الصحة من أولوية واهتمام بالغين لدي الدولة والمواطن معا
وما صار إليه هذا القطاع من تدهور وتراجع واضحين في مستوي
الخدمة وجودتها.. فالصحة والتعليم جناحا أي تنمية كما يقول
الرئيس مبارك الذي يطالب دوماً بتقديم خدمات صحية جيدة. وعلاج
مناسب لغير القادرين علي نفقة الدولة.. فمن دونهما- أي الصحة
والتعليم - يصبح الحديث عن التطور والتنمية ضرباً من ضروب
العبث والهراء.. ورغم ذلك فإن حال " الصحة " يبعث علي الأسي
والقلق.. ويدفع إلي القول باطمئنان ودون مبالغة أو تجني علي
وزارة الصحة أو وزيرها:إن الخدمات في عهده صارت في أدني
مستوياتها.. ينطبق ذلك علي المستشفيات كافة - حكومية وخاصة.
واستثمارية -.
* المستشفيات الحكومية ترهلت وشاخت وعشش فيها الإهمال والتردي.
وصارت طاردة للكفاءات. جاذبة لمزيد من الكوارث والأخطاء الطبية
القاتلة.. والمستشفيات الخاصة استحوذ عليها الغش والجشع
فجعلاها فوق طاقة المرضي - أغنياء وفقراء -.
* أما " العلاج علي نفقة الدولة " فقد شابه هو الآخر فساد
وأمراض خطيرة. وصارت " المحسوبية " و" الواسطة " عملة سائدة..
فمن يملك " واسطة " يمكنه الحصول علي قرار علاج مجاني دون عناء.
ومن لا سند له ولا ظهر فليس أمامه إلا الموت انتظاراً أمام
أبواب المستشفيات..!!
باختصار صار " ملائكة الرحمة " " زبانية للعذاب ".. لاترق
قلوبهم لأنات المرضي وآلامهم.. ولم يلتفتوا إلي أن الأمراض كما
تنهش في أجساد المرضي فهي تنهش بالدرجة ذاتها في اقتصاد الدولة
ومواردها.. ومن ثم تؤثر علي حاضرها ومستقبلها.. ورغم تلك
الأهمية والخطورة فلا تزال ميزانية القطاع الصحي أقل نصيباً من
قطاعات أخري تحتل درجة أقل في الأهمية وأولويات الدولة.. وصار
مطلوباً من المواطن الكادح أن يقتطع من قوت أسرته ما يفوق 40%
من دخله علي العلاج فقط.. لاسيما في ظل تزايد معدلات الإصابة
بأمراض فتاكة تتحدي التقدم العلمي المذهل.. وتأبي إلا أن تجهض
أحلام المرضي في حياة خالية من الألم والوجع.
* وإذا كان البعض ينادي بثورة تطوير للجهاز الإداري بالدولة..
فمن باب أولي أن نبدأ بالقطاع الصحي قبل غيره أو بالتوازي مع
التعليم والبحث العلمي.. فلن نحصل علي رعاية صحية ملائمة دون
وجود مجتمع طبي قادر علي تقديمها بالدرجة المأمولة ودون إرهاق
كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء.. مجتمع طبي ينهض علي دعائم
علمية ومهنية تواكب العصر. وقانونية تمنح الطبيب الترخيص
الملائم والمستحق لمزاولة المهنة. وأخلاقية تلتزم بآداب المهنة
وأصولها.. وقبل هذا وذاك ينبغي النهوض بأحوال الأطباء
والممرضين المالية ليمارسوا مهنتهم بتركيز أكبر وحرفية أعلي.
* المدهش أنه عندما تسأل د. حاتم الجبلي عن حال المستشفيات
فإنه لا يتردد في القول إن هناك خللاً وقصوراً جعلاها في أسوأ
حال.. فثمة فساد يعشش - كما يقول الوزير - في دهاليز وزارة
الصحة.. لكن الأكثر إدهاشاً أن يكتفي الوزير بترديد النغمة
إياها وكأنها تعفيه من المسئولية.. دون أن يكلف نفسه عناء
البحث في جذورها لإيجاد حلول علمية غير تقليدية.. يسهر علي
تنفيذها.. ويقوم بتقييم كل شق فيها بنفسه!!
* كنت أتصور أن يشخص الوزير علل القطاع الصحي ومواطن الخلل فيه
- وهو الخبير بأحوال المستشفيات الاستثمارية - وأن يضعها علي
مشرحة النقد والتحليل تمهيداً للعلاج.. فهل قام الوزير بقياس
الحالة الصحية في مصر بطريقة منهجية عملية.. وهل كلف مساعديه
بقياس مدي تقدم الأنظمة المؤسسية واللوائح التنظيمية.. وماهية
العراقيل الإدارية والبيروقراطية.. حتي يمكنه أن يخرج في
النهاية بروشتة إصلاح لهذا الواقع الصحي البائس.. وإذا لم يفعل
الوزير ذلك.. فما جدوي استمراره في هذا المنصب..؟!
* ربما يكون مألوفاً أن نري طوابير العيش والبوتاجاز.. مثلما
كنا نسمع في عصور سابقة عن طوابير الزيت والسكر و"الفراخ "..
لكن من غير المستساغ أن نجد طوابير طويلة وقوائم انتظار عريضة
في معهد القلب أو الأورام أو غرف الإنعاش والعناية المركزة أو
وحدات الطوارئ والاستقبال في بعض المستشفيات هذا بالنسبة
للقادرين.. أما غير القادرين فإن دخولهم لهذه المستشفيات صار
ضربا من المستحيل.. وهو ما يعني أن المريض " المنتظِر " سوف
يقضي نحبه جراء هذا التكدس اللا إنساني.. فما ذنب ذوي الأمراض
المزمنة والخطيرة حتي تزهق أرواحهم.. وتصبح معلقة في رقبة
وزارة الصحة ومسئوليها؟!
* ثمة أمراض باهظة التكاليف تزايدت معدلاتها في الفترة الأخيرة
» كالسرطان. والفشل الكلوي. وأمراض الكبد وغيرها.. وهو ما دعا
الحكومة لإعداد قانون جديد للتأمين الصحي.. ليكون بديلاً
لمشروع العلاج علي نفقة الدولة المعمول به حاليا. والذي يشهد
الآن نكسة وتردياً لم يشهدهما من قبل.. وقد تأخرت الحكومة
كثيراً في الدفع بهذا القانون.. الذي يهدف إلي إشراك المواطنين
"القادرين" في تكاليف علاجهم.. بينما تتحمل الدولة تلك
التكاليف نيابة عن الفقراء ومحدودي الدخل. وهم الفئة الأكثر
عرضةً للإصابة بالأمراض الأشد فتكاً و الأعلي تكلفةً.. هكذا
تقول الحكومة..!!
* ليس منطقياً ولا مستساغاً الحكم علي هذا القانون قبل طرحه
للنقاش العام. وإدارة حوار مجتمعي هادئ ومعمق يضم جميع الأطياف
والتيارات والأحزاب وممثلي المجتمع المدني والخبراء والمهتمين
بهذا المجال.. وحتي تتوفر لهذا القانون مقومات العدالة والقبول
الشعبي فلابد أن يحقق عدة شروط » منها الارتقاء بالمستشفيات
والمراكز الطبية. وتزويدها بأحدث المعدات والأجهزة الطبية
اللازمة. والنهوض بالمستوي المهني للأطباء وأطقم التمريض.
وتحسين أجورهم ومستوي معيشتهم. ومعالجة جميع أوجه القصور
والخلل وإعادة هيكلة المنظومة الصحية حتي تسمح بتوفير خدمة
صحية للأغنياء والفقراء بالمستوي نفسه من الجودة والكفاءة » مع
مراعاة البعد الاجتماعي وتوزيع الأعباء والتكاليف وفقاً لمستوي
معيشة ودخل كل مواطن.
* وتلك - في رأيي - أهم الملاحظات التي ينبغي وضعها في
الاعتبار عند مناقشة القانون الجديد للتأمين الصحي الذي سيتكلف
المليارات. وسيتم تنفيذه علي مراحل متدرجة.. وينبغي - في
المقابل - الإسراع أيضاً بإصدار قانون نقل وزراعة الأعضاء -
وهذا هو الأهم - لقطع الطريق علي مافيا الاتجار بالأعضاء
البشرية. وتنظيم العمل في هذا المجال الحيوي والخطير. خاصة أن
مصر تحولت - أو كادت - إلي مركز دولي للتجارة في الأعضاء
البشرية.
* قد تكون الخدمات الصحية متاحة لجميع فئات المجتمع.. لكن
بدرجات متفاوتة.. فلا يستطيع أحد أن يجزم بحصول جميع المواطنين
علي قدر متساوي أو نصيب عادل من الرعاية الصحية الفعّالة..
وتلك إحدي سلبيات النظام الصحي الحالي.. وهو ما يؤثر علي
الطبقات الفقيرة قبل غيرها.. ومن ثم فعلي الدولة أن تضيق الهوة
بين الشرائح الاجتماعية الأعلي والأدني بالقانون الجديد »حتي
يتسني لكل مواطن أن يحصل علي نصيب عادل من الرعاية الصحية.
* " العنصر البشري " هو مفتاح كل تطوير. وعلي الحكومة أن تبدأ
به إذا كانت مخلصة - وأحسبها كذلك - في سعيها لإصلاح المنظومة
الصحية.. فمن دون الاهتمام بالكوادر البشرية والإنفاق علي
إعدادها فلن نجني شيئاً من خطط التطوير والتحديث مهما تتوفر
نوايا حسنة. أو مباني وإنشاءات تزخر بأحدث المعدات وأرقي
الأجهزة.. فالبشر قبل الحجر كما يُقال.
* لقد تدخل الجهاز المركزي للمحاسبات لوقف نزيف إهدار المال
العام علي أيدي أشخاص بعينهم استفادوا - دون غيرهم - ودون مبرر
مقبول من النظام القائم للعلاج علي نفقة الدولة..وهو ما يعني
وجود تجاوزات صارخة أثرت سلباً علي الطبقات الفقيرة المستهدفة
أصلاً من هذا النظام.. فهل يكفي أن يحقق جهاز المحاسبات في تلك
المخالفات فقط من دون أن يعلن للرأي العام نتائج هذا التحقيق
وأبطاله ليكونوا عبرة لغيرهم؟!
* المستوي الهزيل الذي آلت إليه الحالة الصحية. يوجب الإسراع
بإصدار قانون جديد للتأمين الصحي. قانون يضمن وصول العلاج علي
نفقة الدولة إلي مستحقيه الحقيقيين.وفي المستشفيات كافة.. وليس
لهؤلاء الذين اعتادوا النزول في الفنادق أو المنتجعات السياحية
علي حساب المرضي الفقراء وغير القادرين.. فالتأمين الصحي في
دول العالم هو الملاذ الآمن ومظلة الحماية لجميع المواطنين -أغنياء
وفقراء - لا يكبدهم شيئا ولا يرهقهم من أمرهم عسراً.. ويجد فيه
المريض - أي مريض - وكذلك ضحايا الحوادث.. علاجهم اللائق
والإنساني في أي مستشفي دون أن يُسألوا أو يُطلب منهم مليم
واحد مقابل علاجهم » لأن مظلة التأمين الصحي تشمل الجميع دون
تفرقة!!
إضاءات
* دائماً ما يشمِّر مجلس الشوري عن ساعد الجدّ.. ويتصدي
لمناقشة القضايا والأحداث المهمة التي تستحوذ علي اهتمام الشعب
المصري وتتعلق بمصالحه العليا.. كالعلاج علي نفقة الدولة لغير
القادرين. وأزمة البوتاجاز. وسلامة الغذاء.. فنواب الشوري
وقياداته يعزفون سيمفونية متكاملة في الأداء البرلماني وتقديم
الحلول.. ويسلكون سبل الموضوعية والهدوء.. ويلتزمون المنهجية
العلمية والخلق القويم عند مناقشتهم مثل تلك الأمور.. فلم نسمع
أو نر - مثلا ً- انفعالات أو مشاجرات أو شتائم وسباباً فاحشاً
بألفاظ نابية.. يتبادلها الأعضاء.. فيا ليت أعضاء " الشعب"
يحذون حذوهم حتي يعود للبرلمان هيبته ووقاره.. ولتكن البداية
من حسن اختيار الأعضاء في الانتخابات المقبلة..!!
* 6مواطنين لم يسددوا رسوم النظافة فتم حبسهم.. والسؤال: هل
صارت نظافة الشوارع والطرقات - إن كانت هناك نظافة أصلاً - أهم
لدينا من نظافة مياه الشرب. وسلامة الغذاء.. ولماذا لم نسمع -
حتي الآن - عن قرار مماثل بحبس مسئول تسبب في تلوث مياه الشرب
أو غضَّ الطرف عن تسرب أطعمة ملوثة أو قمح فاسد إلي أفواه
الناس وبطونهم..؟!
* فجأة قررت شركات عالمية مثل تويوتا وهوندا وفورد وفولكس فاجن
سحب عشرات الألوف من السيارات المصنعة لديها بعد طرحها في
الأسواق لاكتشاف عيوب فنية فيها.. وهكذا أثبتت تلك الشركات
أنها ليست عملاقة ورائدة في صناعة السيارات فحسب. بل إنها "
مَثََل " و"قدوة " في الأخلاق واحترام المستهلك ووضع مصلحته
فوق كل اعتبار.. فهل يتعلم كل صاحب مصنع أو منتج من هذا الدرس
البليغ.. وهل نفهم أن السمعة أهم كثيراً من مجرد الربح وجني
الأموال.. وهل يسعي جهاز حماية المستهلك إلي تفعيل القانون
لمواجهة الغش في الأسواق وحماية المواطن من جشع التجار..؟!
* ليست الكرة وحدها هي ما يلتف حوله الناس.. فالآلاف التي
احتشدت في مسرح الأوبرا الكبير مطلع هذا الأسبوع لمتابعة
محاضرة العالم " الخلوق
د. أحمد زويل حول " مستقبل التعليم في مصر " تثبت أن شعب مصر..
متحضر.. يحب العلم ويقدر العلماء وليس كما يدعي البعض بأنه لا
يهتم إلا بالكرة ونجوم الفن فقط.
* عجيب أمر الحكومة.. فكلما اقتربت الانتخابات "سواء الرئاسية
أو البرلمانية" وهي في رأيي أهم انتخابات تشهدها مصر في الآونة
الأخيرة خاضت في قضايا مثيرة للجدل. مثل رفع الدعم عن أنبوبة
البوتاجاز ورغيف العيش.. بالذمة هل هذا وقته؟!
* المدهش أن الأغنياء في مصر يسكنون في أحياء راقية.. ويحصلون
علي خدمات سهلة بجودة أعلي وكلفة أقل.. بينما الفقراء ومحدودو
الدخل يسكنون في المناطق الشعبية أو العشوائية المزدحمة..
ويحصلون علي الخدمات بشق الأنفس وبتكلفة أعلي.. والمثال الأبرز
هو أنبوبة البوتاجاز.. ثم أين هو دور الأحزاب السياسية في حل
تلك الأزمة.. وهل هي أزمة مفتعلة حتي يعود النواب للظهور في
دوائرهم ويركبوا الموجة من جديد.. لأن الانتخابات باتت علي
الأبواب.. أم ماذا؟!
* زواج القاصرات باطل شرعاً.. ويدخل في حكم "الزني ".. هكذا
قال مفتي الديار المصرية.. لكن بقي أن نسأل ما السبب في وجود
مثل هذه الظاهرة رغم اهتمام الدولة بالمرأة والطفل.. واستحداث
وزارة من بين أهدفها علاج مثل هذه الجرائم.. أليس هو الفقر
الذي يدفع بولي أمر الفتاة "القاصر " إلي بيعها لمن يدفع أكثر..؟!..
ثم ألم يقل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " لوكان الفقر
رجلاً لقتلته "..؟!
ويا جمعيات حقوق المرأة والطفل.. ضاعفوا الجهد لمحاصرة تلك
الآفة.. فالأمر لايحتمل التأجيل.. حتي نمنع الرقَّ في أحدث
وأبشع صوره.. واللا إيه..؟!
|