السيرة الذاتية
معا للمستقبل
 البوم صور
حوارات
معرفه بلا حدود
الخط الساخن
الو

 

 

اعتراف الوزارة هل يكفي؟!
2 من إبريل 2009م


 

ثمة اتفاق يرقي إلي حد الإجماع بين فئات المجتمع كافة علي أن التعليم عندنا بات سيئاً.. ويتكرر المشهد ذاته بل يزداد سوءاً إذا انتقلنا إلي الخدمات الصحية ورغم ان الصحة والتعليم من المؤشرات التي تقيس مدي التقدم أو التخلف لأي دولة فإنهما لا يزالان بعيدين كل البعد عن المستوي المطلوب.. فالتعليم مفتاح أي نهضة والصحة هي المعادل الموضوعي لتطور التعليم وتقدمه. فالأطباء المهرة هم المنتج الطبيعي لنظام تعليمي ناجح. والأهم من الحياة هو جودة الحياة نفسها.
وأعتقد ان وزارة الصحة بل الوزير نفسه غير راض عن مستوي الرعاية الصحية في مستشفياتنا سواء الحكومية أو الخاصة. بدليل أن الوزارة أغلقت نحو 222 منشأة طبية في خمسة أشهر فقط. بينها مستشفيات ومراكز طبية حكومية خالفت اشتراطات السلامة الصحية. وهو معدل خطير يدل علي الاستهتار بأرواح البشر وقسم المهنة لدي بعض الأطباء.. ولم تتردد وزارة الصحة ووزيرها الشجاع في الاعتراف بالقصور ونقد هذا الواقع والتمرد عليه فيما يشبه "جلد الذات".. وترجمت ذلك إلي خطوات عملية بإغلاق الكثير من المنشآت الطبية المخالفة. ومنها مراكز الغسيل الكلوي.. لكن هل يكفي الغلق وحده لتخفيف الآلام عن آلاف المرضي في ظل النقص الواضح لمراكز وأجهزة الغسيل الكلوي وانتشار العدوي في غيبة الرقابة وهو ما أفرز في النهاية طوابير طويلة تنتظر إشارة العبور لغرف العمليات أو حتي العناية المركزة ومع الزيادة العددية تتضاءل فرص الشفاء بل البقاء علي قيد الحياة.
ولا يختلف الحال كثيراً لدي مرضي الكبد الوبائي أو فيروس سي اللعين الذي ينتقل بالعدوي والإهمال الجسيم وتدني وسائل تأمين المرضي ونقص التجهيزات الطبية.. فهل يتلافي قانون التأمين الصحي المنتظر هذه الثغرات ويتدارك الخلل القائم في منظومة الرعاية الصحية؟!
أظن أن ما يدور من نقاشات في أروقة البرلمان - أغلبية ومعارضة - أو ما تنشره الصحف والفضائيات المختلفة ليس بعيداً عن الواقع الذي نعيشه. وليس فيه تجن علي أحد وإذا كان ذلك هو حال مستشفياتنا من الداخل فكيف بحال مرفق الاسعاف "المنقذ" هل يلتزم بالمعايير الدولية في تجهيز سياراته أو كفاءة المسعفين.. ما يدعوني إلي هذا التساؤل هو كثرة حوادث الطرق في مصر وزيادتها عن المعدل العالمي. بسبب رعونة السائقين وضعف الرقابة وغياب الردع والحسم رغم تصاعد الشكوي من تشدد قانون المرور الجديد وربما يزيد عدد ضحايا حوادث الطرق في مصر عن ضحايا الحروب والكوارث الطبيعية.. ففي الدول المتقدمة عندما يتعرض إنسان ما لحادث طريق تتلقفه عربة الاسعاف في دقائق معدودة وتمتد إليه يد الرعاية الطبية حتي تسلمه لأقرب مستشفي لتلقي العلاج دون أن يسأل أحد عن هوية المريض أما عندنا فتبادر أقسام الطوارئ في مستشفياتنا إلي فتح تحقيق مع المصاب أو رفيقه من نوع: هل هو موظف.. وهل يسدد اشتراك التأمين الصحي بانتظام.. وإذا كان غير موظف فربما يختلف الأمر.. هل يمكنه سداد تكاليف المستشفي؟! وقد ترفض بعض المستشفيات استقبال حالات بعينها لخطورتها مثلا أو لأسباب تحول دون إسعافها وتتركها بين الحياة والموت.
لا أبالغ إذا قلت إننا البلد الوحيد الذي لا يزال يتبع هذه الاجراءات العقيمة وربما يتحدد مقدار الرعاية الصحية بقدرة المريض علي الدفع حتي ان بعض المستشفيات تحجز المريض المتوفي لحين دفع الفاتورة.. ولا أبعد عن الواقع كثيراً إذا قلت إن 99% ممن يتعرضون لحوادث طرق تعاجلهم المنية وهم غارقون في دمائهم قبل إسعافهم وهي مشيئة نافذة إلا أن أصابع الاتهام تشير إلي تقصير جهاز الإسعاف والبطء والتقاعس في نقل المرضي.. وأتمني لو يصرف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء جزءاً من اهتمامه في إعداد بحث أو استطلاع رأي المرضي والمصابين في حوادث الطرق يجيب فيه عن اسئلة مهمة تتعلق بمصائر الناس وتقع في دائرة اهتماماتهم مثل كم عدد عربات الاسعاف المجهزة في مصر ومعدل انتشارها علي الطرق بأنواعها المختلفة وكم يستغرق دخول المريض إلي المستشفي وماذا عن المستشفيات المتاخمة لتلك الطرق.. هل بها أجهزة حديثة وأطباء مهرة وهل يتواجدون علي مدار الساعة؟!.. وعليه أيضاً ان يقيس رأي الجمهور بشأن دورة الاجراءات المتبعة في أقسام الاستقبال والطوارئ وفترات انتظار المرضي لأجهزة الغسيل الكلوي وهل هي كافية لاستيعاب الاعداد المتزايدة وماذا عن غرف العناية المركزة وقوائم انتظار عمليات القلب المفتوح.. وهل يكمن الخلل في ضعف الامكانات وحدها أم أن هناك خللا إدارياً أم أن العيب في ثقافة الأطباء وأطقم التمريض.. كل هذا وغيره يوضع تحت تصرف صناع القرار الطبي في مصر.
أدهشني بحق ان يناشد نقيب الأطباء أولياء أمور الثانوية العامة ويحذرهم من مخاطر توجيه ابنائهم إلي كليات الطب ويحثهم علي الالتحاق بكليات تكنولوجيا المعلومات.. ربما يكون من حق الدكتور حمدي السيد الدعوة إلي تخفيض أعداد المقبولين بكليات الطب إذ وصل عددهم 3500 طالب حتي لا يفقد الطبيب مكانته في المجتمع وحتي لا تزداد البطالة بين صفوف الأطباء وكلها أمور تخص المهنة.. لكن من حق المتفوقين أيضاً ان يختاروا ما يشاءون من كليات طالما يسمح مجموعهم بذلك فالحاجة ماسة إلي أطباء مهرة قادرين علي استيعاب التكنولوجيا الجديدة في مجال الطب والجراحة.. وقد يوافقني سيادته الرأي في قلة هذا النوع الراقي من الأطباء وندرته في ظل انصراف ملحوظ للمرموقين منهم إلي مستشفيات استثمارية تغدق عليهم من أموالها وتعتمد عليهم في الجراحات الدقيقة والكبري فيما تعاني مستشفياتنا الحكومية والجامعية نقصاً واضحاً في الكوادر المؤهلة لمثل تلك الجراحات. وهو ما يجعلها شديدة الحاجة إلي مثلهم ليس في القاهرة فحسب بل في شتي ربوع مصر.. وإذا كانت أمانة السياسات بالحزب الوطني قد بادرت برعاية وتنمية وتحديث 1000 قرية هي الأكثر فقراً.. فلماذا لا تكون هناك مبادرة مماثلة يرعاها الحزب الوطني أيضاً بمشاركة فعالة من أطياف المجتمع المدني لتطوير ال1000 مستشفي الأكثر إهمالاً وفقراً.. فصحة الوطن - أي وطن - تقاس بصحة مواطنيه واعتقد ان صحة مصر قد تتعرض للخطر إذا ما استمرت الأوضاع هكذا في القطاع الصحي لأن صحة أغلب مواطنيها باتت قريبة من الإنعاش.

 

| خريطة الموقع
| اتصل بنا
| بيان الخصوصية

  جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع و النشر ©