|
"كتاب"
نظيف.. وحوار جمال..!!
20 من أغسطس 2009م
* حين يلجأ الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء إلي الصمت يتهمه
البعض بتجاهل الرأي العام. والبعد عن وسائل الإعلام. وحين
يتكلم الرجل بعفوية وتلقائية تكثر الانتقادات وتحتدم التأويلات
لما يقول. وربما يجدها البعض فرصة فيتجاوز حدود اللياقة و
النقد البناء.. فهل ذلك مجرد سوء حظ يصادف رئيس الحكومة كلما
همَّ بالحديث فيما يخص الشأن العام.. أم أنه لا يراعي أقدار
المخاطبين وتفاوت عقولهم فيدفع به حسن النية إلي أتون معارك
سياسية تثير الغبار من حوله في كل مكان.. أم يغفل الجانب أو
الحس السياسي حين يخاطب الرأي العام في أهم شئونه وقضاياه؟!..
ربما تكون الإجابة كل ذلك جميعاً.
* لقد جري العرف السياسي وهو ما لا يخفي علي د.نظيف علي أن
يستعين المسئول الكبير أياً كان موقعه بمستشارين في مختلف
التخصصات وعلي درجة عالية من العلم والدراية والخبرة السياسية.
كي يكشفوا له الصورة من جميع جوانبها. ويبصروه بما خفي عنه.
ويضعوا بين يديه الحقائق والمعلومات التي ينطلق منها في مخاطبة
الرأي العام. وبطريقة يفهمها رجل الشارع البسيط قبل المثقف أو
المتخصص. والأهم أن يصدقها هؤلاء وأولئك لكي يتفاعلوا
ويتناغموا معها. وبهذا يصنع جسراً من التواصل والتفاعل مع
الناس يستحيل أن تقطعه ألسنة المعارضين أو أفواه المغرضين.
وأتعجب حين أعود بذاكرتي للوراء قليلاً. حين كان د. نظيف وزيراً
للاتصالات.. كيف حقق هذه المعادلة بامتياز. كيف أتم تنفيذ مهام
منصبه الوزاري. وأعد في الوقت ذاته - كوادر الصف الثاني
وأهَّلهم ودفع بهم إلي مواقع المسئولية والقيادة والحقائب
الوزارية. وأذكر منهم د. طارق كامل وزير الاتصالات وتكنولوجيا
المعلومات. ود. علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي. ود. أحمد
درويش وزير التنمية الإدارية وغيرهم.. وفي الوقت ذاته أجاد
التواصل بإنجازاته مع الرأي العام » حتي تم اختياره لرئاسة
الحكومة.
والسؤال الذي أطرحه علي د. نظيف: لماذا لا تستعين بمستشارين
متخصصين ذوي دراية وخبرة وحنكة سياسية- هكذا يفعل العالم كله -
يجيدون فهم الرأي العام والتواصل معه. حتي يتسني لك الوصول
الصائب إليه. والتأثير فيه. وإقناعه بإنجازات حكومتك.. أما
الاكتفاء بفريق من السكرتارية و بمستشار إعلامي لا تتجاوز
مهامه إذاعة وتلاوة بيانات جافة لا تسمن ولا تغني من جوع فذلك
لا طائل من ورائه ولا جدوي؟!
ولا أدري سبباً لابتعاد د. نظيف عن اللقاءات المباشرة بوسائل
الإعلام. حتي أن محرري شئون مجلس الوزراء لم يعودوا يرونه إلا
عَرَضاً. كما صار حضوره جلسات البرلمان مطلبا عزيز المنال.
* غياب رئيس الحكومة عن الالتحام مع الناس في أماكن تجمعاتهم »
كالأسواق ومواقع العمل والمنتديات والمدارس والقري أو حتي
المواقع الإلكترونية أو عبر مدونته التي أقامها. ولم يتعهدها
بالرعاية والتفاعل المباشر مع شباب العالم الافتراضي » هذا
الغياب أصبح لافتاً. وربما لو فعلها رئيس الوزراء لخلق جسراً
متيناً من التواصل. وفتح نافذة أمل للناس يبثون فيها شكاواهم
وآلامهم ومطالبهم. ويطلون منها علي إنجازات الحكومة. وطبيعة
المشكلات وأسباب الأزمات حتي ولو ألقي ذلك عليهم عبئاً ثقيلا »
فالفهم أول درجات الوعي. والمرء عدو ما يجهل. فإذا تحققت لديهم
درجة مقبولة من الوعي كان ذلك أدعي للارتباط بواقعهم. وتقبل ما
تقدم عليه الحكومة من إجراءات. وما تطرحه من حلول لمشاكلهم.
وحين يتجاوب المواطنون معها فسوف يتحقق لها قدر معقول من
النجاح.
لكن للأسف انتقلت عدوي الغياب عن الجماهير إلي معظم الوزراء
والمحافظين » وهو ما أفقد الحكومة البوصلة إلي عقول الناس
وقلوبهم. وخلق فراغاً لدي قاعدة عريضة منهم. حتي صارت أذهانهم
مهيأة لتقبل الانتقادات الموجهة للحكومة سواء بالحق أو بالباطل.
ولم يعد البعض يصدق ما تقوله الحكومة عن إنجازاتها حتي لو رأوه
رَأْيَ العين..!!
* منذ أيام وفي خطوة تعد سابقة في تاريخ رؤساء حكومات مصر.
أصدرت الحكومة كتابها ¢الأبيض¢ إن صح التعبير كتاباً يوثق
إنجازاتها في خمس سنوات مضت هي كل عمرها. وتوالت من بعده ردود
الأفعال. فثمة من يراه مؤشراً بقرب رحيل الحكومة التي أرادت أن
ترد به علي المشككين في حجم إنجازاتها. فخرجت عليهم بالأرقام
"60 إنجازاً في 60 شهراً". وهناك من يراه مجرد كشف حساب لما
قامت به الحكومة وهذا حقها » فالعبرة بما تحقق واقعاً علي أرض
الواقع.. ومن حق الدكتور نظيف أن يباهي بإنجازاته ويفاخر
بنجاحاته.. ومن حق الناس أيضاً أن تشعر بهذه الإنجازات واقعاً
في حياتهم اليومية. وفي كل الأحوال كان الأولي برئيس الحكومة
أن يعترف أولاً في صدر كتابه بما قصّر في تحقيقه وأسباب ذلك.
وأن يحدد أجلاً لاستدراك هذا القصور. وأن يعتذر إن تطلب الأمر
ذلك!!
* جاء الكتاب جافاً في طريقة تناوله ومحتواه. وتجاهل إنجازات
وزارات مهمة كالبترول والاتصالات. رغم وفرة ما حققتاه من عوائد
للدخل القومي. ورغم جهدهما الواضح في استيعاب وتشغيل العمالة.
وتأمين احتياجات الأجيال القادمة. كما جاء الكتاب مبشراً بواقع
مثالي يخلو من المنغصات. والمشكلات رغم أنها قائمة وماثلة لكل
ذي عينين. وغاب عن معديه أن الناس لا تصدق أرقاماً منبتة الصلة
بواقعهم حتي ولو كانت حقيقية. فالمهم ما يعود علي الناس من
تحسن في معيشتهم وتطور في حياتهم.
لم يقل الكتاب لنا ماذا فعلت الحكومة - مثلاً- لتحاشي حوادث
الطرق والخسائر الفادحة في الأرواح والأموال وهو ما تحتل مصر
فيه مركزاً متقدماً وماذا عن البطالة المنتشرة بين شبابنا
"14.5%". وماذا عن الأمية "23.9%" وارتفاع الأسعار ومعدلات
التضخم. ومياه الشرب و ظاهرة بيعها بالجراكن. والخريطة الصحية
لمصر. وتراجع جودة التعليم. وتفشي الفساد في الجهاز الإداري
بشكل خطير. وضعف الإنتاجية. وتراجع معدلات التصنيع والتصدير.
فكيف تعدد الحكومة مآثرها ونحن مازلنا نستورد معظم طعامنا من
الخارج؟!
ربما يكون مقبولاً أن يفاخر الكتاب بمضاعفة حصيلة الضرائب
والوصول بها لأرقام غير مسبوقة » لكنه في المقابل لم يقل لنا
كيف تضاعفت هذه الحصيلة.. هل من جيوب الموظفين الغلابة أم من
رجال الأعمال وأصحاب كبريات الشركات.. ثم أين خطط المستقبل في
أولويات حكومة د. نظيف. وماذا أعدت للأجيال القادمة؟!
* أحسب أن الحكومة لو قدمت خريطة متكاملة لما كان مستهدفاً ولم
يتحقق. وقدمت أسباباً سائغة لمعوقات إنجازه لكان ذلك أدعي لأن
يصدق الناس ما تقول. ولتحقق لديهم الثقة فيما تذيعه عليهم .
ألم يسأل د. نظيف نفسه وربما سأل : لماذا ينتاب البعض حالة من
فقدان المصداقية تجاه أرقام الحكومة مهما تكن حقيقية أو واقعية..
وهل جرَّب أن ينزل إلي الناس ليسألهم بنفسه ويستقي منهم آراءهم
دون وسيط. فالمواطن المصري يجيد قراءة الواقع ويفهم إشارات
الحكومة. وتَرْجُح لديه دائماً كفة الواقع المعاش. ولو أصدرت
الحكومة عشرات الكتب فلن يصدق الناس إلا ما يجدونه حاضراً في
أيديهم.. ولا يعني ذلك أن الحكومة تقاعست عن واجبها. بل إنها
وإحقاقاً للحق قدمت إنجازات كثيرة إلا أن المواطن العادي لم
يشعر بها بدرجة كافية » فالعيب هنا يرجع للحكومة نفسها التي لا
تعرف كيف تتواصل أولاً مع مواطنيها. ولا يدرك بعض وزرائها
خطورة الابتعاد عن الناس. ولا يديرون حواراً تفاعلياً مع
المواطنين . وهو ما نبه إليه د. طارق كامل وزير الاتصالات في
حوار أخير معي حين قال: ¢إننا في حاجة إلي مزيد من تفعيل
استخدامنا للإنترنت للتواصل مع الشباب بلغتهم. فنحن أمام
منظومة جديدة يُعاد تشكيلها. ولابد أن نتفاعل معها مجتمعياً ¢.
* وأحسب أن هذا ما حققه بالفعل السيد جمال مبارك الأمين العام
المساعد وأمين السياسات بالحزب الوطني. حين أدار حواراً
مجتمعيا مع الشباب عبر الفيس بوك. في خطوة مهمة تصب في اتجاه
التفاعل المطلوب مع شباب مصر لاسيما ونحن مقبلون علي انتخابات
برلمانية في غضون أشهر معدودة.
أحدث الحوار مهما اختلف معه البعض حراكاً سياسياً. وفتح الباب
لأسئلة ساخنة جريئة تعبر في النهاية عما يختلج في نفوس شبابنا.
وما يجيش في صدورهم. ويدور في عقولهم دون مزايدة أو مبالغة أو
تهويل. ودون وسيط!!
رفع الحوار سقف المصارحة والمكاشفة والنقد لحد غير متوقع »وفتح
الباب أمام شبابنا كي يبثوا همومهم وآلامهم وطموحاتهم وآمالهم
في أجواء ديمقراطية تحفز حرية التعبير. ومهما بدا النقد لاذعاً
أو قاسياً فإنه تجربة مفيدة وثرية. خاطبت شريحة متفاعلة تمثل
أكثر من ثلث سكان مصر. وإذا أضفنا إليهم فئات أخري فإنهم
يشكلون معاً أكثر من 60% من فئات المجتمع.
* وأحسب أن جمال مبارك نفسه قد استفاد من هذه التجربة » إذ وقف
علي مبلغ طموحات وأفكار وهموم شبابنا. وسطر بذلك صفحة مهمة
شارك هؤلاء الشباب بأنفسهم في صياغتها دون تجميل أو تزييف أو
مجاملة أو خوف حتي لو خالفوا برأيهم رأي جمال نفسه. وأرسي في
الوقت نفسه تقليداً حزبياً ينبغي البناء عليه دون توقف. وتلك
بلا شك خطوة مهمة. ومهما اختلف البعض معه. فقد ساير العصر
وامتلك إحدي أهم أدواته وهي ¢الحوار التفاعلي¢. ووفر أجواءً
مواتية. من جرأة وحرية ومصداقية اكتملت بها عوامل النجاح
والنقاش المثمر في تناول قضايا ذات خطورة بالغة كالفساد
والواسطة والفقر. والتي يتخذها البعض تكئة للإثارة وبث الإحباط
في النفوس.
لم ينكر جمال مبارك وجود الفساد. بل اعترف به صراحة » فليس
الاعتراف بالفساد عيبا بل هو أول درجات الإصلاح. وهو الأمر
نفسه الذي أقره صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني ورئيس
مجلس الشوري. حين دعا إلي تطهير الحزب الوطني من أي فساد. ونفي
التستر علي الفاسدين. وهو للأسف ما أخفق فيه بعض وزرائنا حين
تعرضوا لمثله في مواقف شتي. فوزيرا الإسكان والصحة حين سألهما
الرئيس مبارك عن أسباب تلوث المياه واختلاف العينات في قرية
البرادعة جانبهما التوفيق. وتخلي عنهما الحس السياسي كثيراً.
وهو ما تكرر مع رئيس الوزراء في حوار بورسعيد. حين سئل عن
الفساد. فأجاب بأنه موجود في ¢الحتت الصغيرة¢. وهو ما لم يقتنع
الشباب به!!
* الناس تريد إجابات تحترم عقولهم. وتخاطبهم بقدر معقول من
الواقعية والمنطقية والحس السياسي. إجابات تلمس الواقع ولا
تلتف عليه. لاسيما ونحن في عصر مفتوح السماوات. ولا شئ خافياً
فيه. فالحقيقة وحدها هي التي تقنع وتصمد.
* أتصور أنه لم يعد لأحزاب المعارضة حجة في عدم الوصول للناس
أو التذرع بعراقيل تضعها الحكومة في طريقها. فهذا وإن كان
مقبولاً فيما مضي. إلا أنه لم يعد مقبولاً اليوم. وخير دليل
علي ذلك مبادرة جمال مبارك بالحوار مع شباب الفيس بوك » فلا
يمكن لحياة سياسية أن تنجح بحزب واحد. ولا لنظام سياسي تعددي
أن ينهض علي أكتاف حزب واحد حتي ولو كان الحزب الوطني!!
هل تتحقق رؤية أوباما للسلام.. أم تلقي مصير 42 مبادرة سابقة؟!
* تعددت المبادرات والقرارات التي تهدف لحل القضية الفلسطينية.
حتي جاوزت حسب علمي الأربعين مبادرة علي مدي اثنين وستين عاماً
هي عمر القضية. فما إن صدر قرار تقسيم فلسطين عام 1947 حتي
توالت الجهود وتعددت الأطراف التي وقفت وراء خروج تلك
المبادرات إلي النور. ما بين الأمم المتحدة بأجهزتها وآلياتها
المختلفة. والرؤساء الأمريكيين . والزعماء العرب. والجماعة
الأوربية. ودول عدم الانحياز. وأمريكا اللاتينية. وشتي أطياف
الأسرة الدولية.
وهي مساعي رغم كثرتها لم تحقق الهدف الذي سعت إليه. بل توقفت
عند مراحل معينة. وتحطمت في النهاية علي صخرة اللوبي اليهودي
الضاغط والمتغلغل في أمريكا لاسيما داخل أروقة الكونجرس ولجانه.
* ورغم صعوبة القضية وتعقد مسيرتها فلم يبرح الأمل قلب وعقل
الرئيس مبارك. ولم يفت ذلك في عضده. بل يسعي بروح المقاتل
الصلب. وحس السياسي المحنك. و بإيمان لا يتزعزع بأن أقرب الطرق
لاستقرار المنطقة والعالم بأسره هي حل تلك القضية. فاتجه إلي
واشنطن للقاء الرئيس أوباما. برؤية مصرية يقف وراءها ويسندها
توافق وإجماع عربي لن تجد واشنطن ولا إسرائيل من دونه سبيلاً
لتحريك القضية ولا حلها.
ذهب الرئيس لأمريكا للمشاركة في بلورة وصياغة خطة أمريكية لم
يشأ أوباما أن يعلنها قبل لقاء الرئيس مبارك للوقوف علي
الثوابت والملابسات. والآمال والطموحات العادلة للشعب
الفلسطيني لحل إشكالية الدولة ذات السيادة علي أرض متصلة. ووقف
الاستيطان الذي يئد الجهود الرامية لإحداث تسوية دائمة وعادلة
في الشرق الأوسط.
* أحسب أن أوباما أجّل إعلان رؤية أو خطة الإدارة الأمريكية
للقضية حتي يستمع للرئيس مبارك. وها هو اكتملت لديه أبعاد
المسألة.. فهل يُكتب النجاح لهذه الخطة أم تلقي مصير سابقاتها
و تتحطم علي صلف الإدارة الإسرائيلية المتطرفة. وبدعم من
جماعات الضغط اليهودية هناك؟!
* يقيني أن الشعوب العربية لن تقبل بتنازلات جديدة. ولن تفرط
في حقوقها التاريخية. فليس مستساغاً أن تتهاوي أو تتلاشي
المبادئ التي استندت إليها المبادرات السابقة وخصوصاً مبدأ
¢الأرض مقابل السلام¢.. ومن ثم فعلي الإدارة الأمريكية أن تضغط
علي إسرائيل ليس لتجميد أنشطتها الاستيطانية فحسب. بل لإزالتها
جميعاً. وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة تمهيداً
لاستئناف تسوية موازية علي مسارات عربية إسرائيلية أخري ..
ساعتها قد تقبل الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل!!
|